» 🔆جواب السيد السيستاني (حفظه الله) و ممارسة التضليل🔆   » (بالتفصيل) رداً على ما نُسبَ لشيعة ال محمد ( عليهم السلام) من تكفير عامة المسلمين :   » الشنطة العظيمة لا تلمسوها   » المظلومية والإيغال في العاطفة الرمزية   » بيان من جماعة من الأساتذة في الحوزة العلميّة في قم   » مآلات تحريض الحيدري على علماء الشيعة   » السيستاني يفتي بأن أهل السنة مسلمون كالشيعة وعبادتهم مبرئة للذمة   » شكلنا ما بنخلص ويا مشايخنا الأفاضل الله يحفظهم هالسنة...   » مقال بعنوان (الچلب)   » انبهارك بهم ليس ذنبهم..  

  

الليلة الأولى من محرم ١٤٤١
سماحة الشيخ إسماعيل المشاجرة - 🖋 تحرير فريق صدى المنبر - 02/09/2019ظ… - 5:01 م | مرات القراءة: 749


ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "كان جدي الحسين يقول: أنا قتيل العَبرة، ما ذكرني مؤمن إلا استعبر".
وفي نص آخر "ما ذكرني مؤمن إلا بكى".

🔷 مقدمة:

كل حدث تاريخي ملفت يمر على الأمة يترك انطباعًا خاصًا في نفوس أفرادها، ويُشكل صورة نمطية في العقل الجمعي لها، فانتصار المسلمين على مشركي مكة في معركة بدر وهم ثلة قليلة ترك انطباعاً في العقل الجمعي للأمة، وصارت الصورة النمطية حول واقعة بدر تتمثل في الشعور بالعزة والكرامة والنصر، وتقدمت رسالة النبي صلى الله عليه وآله بخطوات واثقة، وبدأ يتعالى شأن البعثة النبوية، إلى أن صارت الشريعة المحمدية هي الشريعة السائدة في جزيرة العرب.

وكلما مر ذكر واقعة بدر تستشعر اﻷمة العزة والكرامة والمهابة. كذلك فتح مكة كان حدثا تاريخيا ملفتا، اكتسى بصورة نمطية هي العفو والتسامح والرحمة التي امتاز بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وتجلت في شريعته ودينه.

هذه بعض الأمثلة، وتوجد أبنية نمطية غيرها في العقل الجمعي للأمة، تجاه الأحداث المؤثرة في تاريخها، ويبرز هنا تساؤل حول واقعة كربلاء، والصورة النمطية التي شكلتها في العقل الجمعي للأمة.

إن عاشوراء حدث استثنائي وملفت في تاريخ هذه الأمة، أخذ أبعاداً سياسية ومذهبية، وتشعّبت من هذا الحدث أبعاد متعددة، بنت أنماطا مختلفة من التصورات في العقل الجمعي للأمة، لذلك لا يمكن القول بأن عاشوراء تركت صورة نمطية واحدة كأي حدث تاريخي آخر.

📌 فما الصور النمطية التي شكلتها عاشوراء في العقل الجمعي؟

📌 وهل هي صور نمطية فاعلة ومنتجة؟ أم نحتاج أن نعيد بناء صور نمطية لعاشوراء مختلفة عما هو سائد؟

هذه التساؤلات نجيب عنها في المحور اﻷول.

♦ المحور الأول: (الصور النمطية التي يمكن أن نستوفيها من حدث عاشوراء) :

🔸 الأولى: الصورة النمطية العاطفية.

لا ريب أن الصورة النمطية الأبرز في العقل الجمعي للأمة تجاه عاشوراء هي الحالة العاطفية، فكلنا إذا تجدد علينا ذكرى عاشوراء في كل عام فإن أول صورة تحضر في عقولنا هي صورة الحزن والبكاء. فيكون تعاملنا مع القضية

الحسينية من منطلق عاطفي. فالحسين عليه السلام قُتل مظلوما بصورة شنيعة ووحشية، لذلك تتعاطف الأمة مع هذا القتيل الذي هو سبط رسول الله صل الله عليه وآله، هذه الصورة العاطفية هي المسيطرة على عقل الأمة، ضمن مدرسة

أهل البيت عليهم السلام، حتى في الاتجاه المخالف لمدرسة أهل البيت، الذي يستقبل ذكرى عاشوراء بالفرح والسرور وتوزيع الحلوى، هذا الاتجاه أيضا يتعامل مع الحدث من منطلق عاطفي لكن معاكس، فهم يتعاطفون كذلك ولكن مع أعداء اﻹمام الحسين (ع)، وهكذا فاﻷمة اﻹسلامية تعيش حالة مزدوجة، لكن يبقى البناء العام والمنتشر في معظم الأوساط هو التعاطف الإيجابي مع الحسين. أما التعاطف مع أعداء الحسين فهي حالة شاذة.

🔸 الثانية: الصورة النمطية الإنسانية.

 فالحالة الإنسانية كانت علامة بارزة في نهضة الحسين، ومحرك أساسي لها. والمتتبع لحركة الإمام الحسين يجدها حركة إنسانية تعج بالمبادئ والقيم الإسلامية، فكان ثائراً في وجه الظلم، يريد أن يعيد للأمة كرامتها وعزتها. لذلك حرص الإمام الحسين طوال مسيرته على أن يجعل القيم الإسلامية حاضرة في كل المواقف والأحداث والمنازل التي مر بها.

ولهذا السبب نجد كثيرا من المفكرين أصحاب النزعة الإنسانية مثل غاندي قد تغنوا بالقضية الحسينية، باعتبارها قضية إنسانية، وصاحبها قُتل واستشهد في سبيل القيم الإنسانية. وفي نص ملحمة الشرقاوي (الحسين ثائراً) تأكيد على القيم الإنسانية التي كان الحسين يتحرك بها ومن أجلها.

🔸 الثالثة: الصورة النمطية العبادية.

هذه الصورة النمطية حاضرة في الوسط الإسلامي، ولو عند شريحة خاصة. إن أيام عاشوراء تمثل موسماً عبادياً، ولدينا روايات كثيرة تنص على جعل كل عمل في سبيل الحسين عملا عباديا، ومن ذلك بيان فضل زيارة الإمام الحسين، وإحياء المجالس باسم الإمام الحسين، وإقامة العزاء والبكاء عليه، وثواب خدمته، كل هذه المضامين مذكورة في تراث أهل البيت سلام الله عليهم، وهي تعكس صورة نمطية تحضر في أذهاننا كل عام في ذكرى عاشوراء.

ولذلك يحضر كثير من الناس إلى المجالس الحسينية رغبة في الثواب، وينفق الموالي رغبة في الثواب، ويجتهد في خدمة قضايا الحسين .. ، لأنه مغروس في وجداننا أن قضية عاشوراء لها بعد عبادي.

🔸 الرابعة: الصورة النمطية الإصلاحية.

كان شعار الإمام الحسين إصلاحيا: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر" لذلك حينما تحضر ذكرى عاشوراء يبرز العنوان الإصلاحي كعنوان ممثل لقضية الإمام الحسين، والإنسان الواعي يستثمر موسم عاشوراء في القضايا الإصلاحية، مثل: إصلاح النفس والبيت والأسرة وإصلاح الأبناء والوسط المحيط. وحريٌ بالمؤمن في أيام عاشوراء أن يجعل رسالته تقمص دور المصلح، ولا يقتصر الإصلاح على الجوانب الدينية فقط، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر -وإن كان اﻹصلاح الديني هو الهدف الأجلّ، بل ينبغي أن يتسع الدور اﻹصلاحي ليشمل البعد الاجتماعي، وبما أننا نعيش أيام عاشوراء الحسين فجميل أن نقدم الخدمات الاجتماعية والوطنية باسم الإمام الحسين، ونريد أن نقدم الموسم الحسيني كموسم إصلاحي ومنتج وإيجابي، وأن تعم بركات ثماره على المجتمع والوطن.

🔸 الخامسة: الصورة النمطية الشعائرية.

إن عاشوراء حالة شعائرية تمارس بشكل جماعي وليس بصورة فردية.

♦ المحور الثاني(دور أھل البیت في بناء الصورة النمطیة لعاشوراء):

ویتمثل في تساؤلنا:

📌  من الذي بنى ورسّخ ھذه الصور النمطیة التي وُلدت في ذھن الأمة، وانقدحت في العقل الجمعي، لتتجدد في كل موسم عاشورائي، ھل حدث ھذا صدفةً؟ أم باجتھادات فردیة؟ أم أن الأئمة صلوات الله وسلامه علیھم ھم من قام ببناء ھذه الصور النمطیة تجاه عاشوراء؟

لا ریب أن الصحیح ھو الرأي الأخیر، فقد كان من أدوار الأئمة التي نھضوا بھا على طول تاریخھم بناء ھذه الصورة 

النمطیة خطوة بخطوة، حتى ترسخت في العقل الجمعي للأمة، سنستعرض بشكل سریع ھذه الأدوار التي نھض بھا 

الأئمة سلام الله علیھم:

🔹 الدور الأول/ بناء النمط العاطفي في عقل الأمة. 

وھو أول دور مارسھ المعصومون صلوات الله وسلامھ علیھم بعد واقعة كربلاء. وقد دشنھ الإمام زین العابدین سلام الله 

علیھ، روایات كثیرة تتحدث عن الحالة العاطفیة العمیقة التي استغرق فیھا الإمام زین العابدین تجاه واقعة الطف في 

أقوالھ وأحوالھ، فقد ورد في الروایات أن الإمام زین العابدین بكى عقودا من السنین على أبیھ الحسین، ففي روایة للسید 

ابن طاووس عن الامام الصادق أن الإمام زین العابدین بكى على أبیھ الحسین أربعین سنة، صائماً نھاره قائماً لیلھ، وإذا 

قُدِم لھ الإفطار قال لھ خادمھ: مولاي لِم لا تأكل؟ فیقول (ع): كیف آكُل وقد قُتل ابن رسول الله جوعانا؟ كیف أشرب وقد 

قُتل الحسین عُطشانا؟ یقول: فما كان یطعم طعاماً إلا بعد أن یبلھ ویمزجھ بدموع عینھ.

وكان الإمام یخرج إلى الصحراء وربما سجد سجدةً كرر فیھا قولھ "إلھي سجدتُ لك تعبداً ورقّا. إلھي سجدتُ لك 

خضوعاً وخشوعاً" یقول: یكررھا ألف مرة، ثم یجھش بالبكاء، فأقول لھ سیدي مم بكاؤك؟ یقول: كیف لا أبكي وقد قُتل 

ابن رسول الله ظمآناً؟ كیف لا أبكي وقد قُتل ابن رسول الله غریباً؟ فأقول لھ أما آن لحزنك أن ینقطع، أما آن لبكائك أن 

یتوقف؟ فیقول لي: یا ھذا إن یعقوب بن إسحاق بن إبراھیم كان نبیاً ابن نبي، وكان لھ من الولد اثنا عشر ولداً، غیّب الله 

عنھ ولداً واحداً وكان حیاً فبكاه حتى احدودب ظھره، وذھب بصره وشاب رأسھ، أَوَ تَشُحُّ بالبكاء على ابن رسول الله، 

وقد رأیتھ وسبعة عشر من أھل بیتي ذُبِحوا عُطاشى غُرباء؟

كان الامام زین العابدین یؤكد على الجانب العاطفي، ویحاول أن یستثیر عواطف الأمة في أغلب المشاھد التي حفظتھا لنا 

الروایات، ومن ذلك أنھ خرج یوماً إلى سوق الجزارین فرأى قصاباً یرید أن یذبح كبشاً فیعرض علیھ الماء، فیقول لھ: ألا 

تذبح الكبش حتى تعرض علیھ الماء؟ یقول: نعم یا ابن رسول الله ھذه سنة، ما نذبح كبشاً إلا أن نعرض علیھ الماء فربما 

شرب وربما أعرض. فیلتفت الإمام (ع) إلى ناحیة كربلاء ویقول: لا یُذبح الكبش حتى یُسقى، ویُذبح الحسین عُطشاناً ظمآنا.

كان خطاب الإمام زین العابدین عاطفیاً بامتیاز، ولا سیما أن العھد قریب بشھادة الإمام الحسین سلام الله علیھ، فرأى أن 

یُوظف ھذه الحالة الساخنة في ربط القضیة الحسینیة بعواطف الأمة، حیث تصبح القضیة الحسینیة مُلازمة للعواطف، 

فكلما ذُكر الحسین ھاجت العاطفة، فالصورة النمطیة العاطفیة أول من بناھا ورسخھا الإمامُ زین العابدین سلام الله علیھ، 

وكان للحوراء زینب أیضاً دور مشھود في ھذا الجانب.

🔹 الدور الثاني: العبادي

ونھض بھذا الدور الإمامان الصادق والباقر صلوات الله وسلامھ علیھما. ففي أیام الباقر والصادق أسبغت قیمة عبادیة 

على كل نشاط فیھ إحیاء لقضیة الحسین، ففي البكاء على الحسین ثوابٌ عظیم، وفي زیارتھ (ع) ثوابٌ عظیم جاء في 

الروایة عن الإمام الصادق: "من زار الحسین عارفاً بحقھ كان لھُ بزیارتھ ثواب ألف حجة مقبولة، وغُفِر لھ ما تقدم من ذنبھ."

وفي روایة عن الإمام الباقر سلام الله علیھ: "لو علِم الناس ما في زیارة الحسین من الثواب لماتوا شوقاً إلى زیارتھ، 

ولتقطعت نفوسھم حسرات شوقاً لزیارتھ. قُلت: وما لزیارتھ من الفضل؟ قال: من زار الحسین شوقاً إلیھ أُعطي بزیارتھ ثواب ألف حجة مقبولة، وألف عمرة مبرورة، وأُعطي ثواب ألف شھید.

والروایات المتواترة في ثواب زیارة الإمام الحسین تُشعر بأنھ لیس ھناك وظیفة عبادیة أھم من الزیارة. وقد قصد أھل البیت سلام الله علیھم في تلك المرحلة التاریخیة أن یؤكدوا على فضل الزیارة ویجذبوا المؤمنین إلیھا، ومن المذكور في ھذا الصدد أن أحد الأصحاب یدخل على الإمام فیقول لھ: یا فلان كم حجة حججت، قال: تسع عشرة حجة، قال لھ: أكملھا عشرین حتى تُعطى ثواب زیارة الحسین سلام الله علیھ.

وھكذا فإن كل ما یتصل بالحسین أُعطي لون القربى إلى الله تعالى، وھذا واضح التبریر، لأن الحسین وليٌ من أولیاء الله، شھیدٌ قُتل في سبیل الله، فكل ما یُبذل لھ ویُؤتى بھ لأجلھ فھو متصل بالله سبحانھ وتعالى.

🔹 الدور الثالث: البناء الشعائري

بدأ أهل البيت سلام الله عليهم يُعطون للقضية الحسينية بُعداً جمعيا، فهم لا يريدون زيارات مفردة، ولا مجالس مفردة، بل زيارات جماعية للحسين، ومجالس يجتمع فيها المؤمنون لذكر الحسين سلام الله عليه.

هذا الدور اذي بدأ من أواخر حياة الإمام الباقر واستمر إلى أيام الإمام الرضا سلام الله عليه وما بعده كان يؤسس للحالة الشعائرية بجعل القضية الحسينية والاحتفاء بها في حالة من البناء الشعائري، نستعرض ذلك من خلال الروايات الآتية:

يخاطب الإمام الباقر الفضيل بن يزدار فيقول له: يا فٰضيل أتجلسون وتتحدثون؟ قال: بلى، قال: أما والله إني أُحبُ تلك المجالس، أحيوا أمرنا، فمن حضر مجلساً يُحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.

وهناك رواية تنقل قصة عن امرأة اسمها أم سعيد الأحمسية، جاءت إلى المدينة المنورة لزيارة شهداء أُحد فمرت على بيت الإمام الصادق سلام الله عليه، فلما رآها الإمام على بغلتها قال لها: إلى أين يا أم سعيد، قالت: لزيارة الشهداء، فالتفت الإمام الصادق قائلًا: ما أعجبكم يا أهل العراق تقطعون هذه المسافات البعيدة، وتقضون هذه الأسفار من أجل زيارة الشهداء هنا، وتتركون زيارة سيد الشهداء عندكم! فقالت من هو سيد الشهداء؟ قال: ذاك الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قُتل مظلوماً غريباً، فقالت له: إني امرأة، قال: لا بأس أن تزوري وأنتِ على هذا الحال، ثم قال لها: إن لزيارة الحسين من الثواب العظيم ما لوعرِفتِهِ لما عدوتِ عن زيارته، قالت له: ما لزائر الحسين من الثواب ؟،قال: من زار الحسين أُعطي ثواب ألف حجةٍ مقبولة، وألف عمرةٍ مبرورة، وأُعطي ثواب من اعتكف بالبيت الحرام شهرين متواصلين، فتعجبت هذه المرأة، ثم قال لها الإمام: إن زيارة الحسين واجبة على النساء والرجال.

فالفقهاء لا يستخلصون من هذه النصوص وجوب زيارة الحسين، فهي ليست واجبة مثل الحج وإنما مستحبة استحباباً مؤكداً، وبذلك أسس الإمام لزيارةٍ جمعية، تشمل الرجال والنساء.

ونذكر هنا رواية عن الإمام الصادق سلام الله عليه يقول:" مُرو شيعتنا بأن يزوروا الحسين فإن زيارة الحسين تبسط الرزق وتمد في الأجل".

في أحد الروايات المروية عن حنّان بن سدير، عن أبيه، بأنه دخل على الإمام الصادق فقال له: يا سُدير أتزور الحسين في كل يوم؟، قال له: لا، قال: أتزوره في كل شهرٍ مرة ؟، قال: لا، قال له: أتزوره في كل سنةٍ مرة؟ قال: قد يكون ذلك. فغضِب الإمام وعاتب سُدير -فقال له: يا سُدير ما أجفاكم للحسين، ما ضرك أن تزور الحسين في كل يوم؟ ما ضرك يا سُدير أن تزور الحسين في كل جُمعة خمس مرات؟ يقول فقلت له: سيدي إن بيني وبين قبر الحسين فراسخ كثيرة!  فقال: يا سُدير يكفيك أن تصعد على سطح دارك وتلتفت يميناً ثم شمالاً ثم ترفع رأسك إلى السماء وتقول السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته؛ تُكتب لك زيارة.

 🔹 الدور الرابع: البناء الإصلاحي

وإذا تأملنا في زيارات أهل البيت نجد أن نصوص الزيارات عبارة عن بيانات من المعصومين سلام الله عليهم، وقراءات منهم للقضية الحسينية، وكل زيارة تمثل قراءة وتصور معين يُريد الإمام سلام الله عليه أن يُمرره للأمة حول القضية الحسينية، و"زيارة الناحية المقدسة" نموذج لذلك.

 بدأ توظيف القضية الحسينية من قِبل أُناس حرفوها عن مسارها، فبعد استشهاد الإمام الحسين سلام الله عليه ظهرت قضية الأخذ بثأر الإمام الحسين، وتحولت إلى شعار يرفعه كل الثوار، فالتوابون حينما ثاروا من أجل الحسين سنة خمسة وستين للهجرة رفعوا شعار يا لثارات الحسين، ورفع المختار شعار يا لثارات الحسين، ثم إن أغلب الثورات التي انطلقت بعد الحسين بدأت ترفع شعار يا لثارات الحسين، وهذا يدل على أن هناك بناء نمطي آخر أسس له أهل البيت سلام الله عليهم وهو النمط الثوري.

فالقضية الحسينية تمثل شعاراً للثائرين، لكن يظهر بعد مدة من الزمن بدأت بعض الجماعات البعيدة عن نهج الحسين تُوظف هذا الشعار من أجل تحقيق مآرب خاصة بها، فالعباسيون لما أرادوا أن يؤسسوا دولتهم رفعوا شعار يالثارات الحسين، وهناك معركة تُعرف بمعركة الزابي أو الزابية وقعت شمال العراق بالقرب من  الموصل على أحد روافد نهر دجلة قادها عبدالله بن علي بن عبدالله بن العباس -وهو عم أبي جعفر المنصور وعم السفاح مؤسسا الدولة العباسية- وحاصر جيش مروان الجعدي -آخر الحكام الأمويين-فأراد هذا العباسي أن يُؤجج أصحابه لينتصروا على الأمويين فأخذ يردد يالثارات الحسين ، ورفع هذا الشعار  كأنه الشعار الأساس الذي انطلقت منه ثورته ،هنا أخذ الأئمة سلام الله عليهم يمارسون دوراً إصلاحياً أمام هذا الانزياح النمطي، ليعيدوه إلى سيرته الصحيحة، لذلك نجد أن زيارة الناحية الواردة عن الإمام المهدي سلام الله عليه تُعطي بُعداً واضحاً يؤكد أن الخط الثوري لا يكون دائماً خطاً صحيحاً، فليس كل من قاد ثورةً كانت ثورته ثورة إصلاح، فبعض الثورات تريد تحقيق مطامع ومآرب شخصية، فكيف نميز بين هذين النمطين؟

تجسد زيارة الناحية بيانات من الائمة(ع) يريدون أن يوصلونها الى الأمة، وتريد الزيارة أن تعيد هذا النمط إلى جادته الصحيحة وتقول لا تُعد كل ثورة شرعية أو مقبوله في أوساط الأمة، بل إن بعض الثورات يكون الغرض منها مآرب شخصيه ولذلك في زيارة الناحية يؤصل لنا الإمام سلام الله عليه المسار الذي امتاز به خط الحسين ونهضته، حيث إن حركة الامام الحسين حركة متصلة بحركة الأنبياء جميعا، فيبدأ من آدم إلى أن يصل إلى الخاتم محمد. 

فحركة الإمام الحسين امتداد لحركة جميع الأنبياء، وثورته متصلة بخط الحق و الإصلاح النبوي، لذلك يستمر الإمام: (السلام على محمد حبيب الله وصفوته، السلام على الحسين الذي سمحت نفسه بمهجته) ويتحدث عن هذا المسار وكيف أن الحسين (ع) تحرك وجعل منطلق حركته مسجد جده صلى الله عليه وآله:(حتى إذا الجور مد باعه، وأسفر الظُّلْمُ قِنَاعَهُ  ، وَدَعا الغيُّ أَتباعَهُ ، وأنت في حَرَم جَدِّك قاطنٌ، وللظالمين مُبَاينٌ ، جليسُ البيتِ والمحرابِ ، معتزلٌ عن اللذاتِ والشهواتِ  ، تُنكِرُ المنكرَ بِقَلْبِك ولِسَانِك ، على قَدْرِ طَاقَتِكَ وإمكانِك. ثم اقتضاك العلمُ للإنكارِ، ولَزِمَك أن تُجاهدَ الفجَّارَ، فَسِرْتَ في أولادِك وأهاليك، وشيعتِك ومَوَاليك)، فيتحدث عن مسيرة الحسين (ع) إلى أن يصل إلى شهادته.

أراد الإمام من ذلك أن يصحح هذا المسار الذي انزاح وصار يوظفه أمثال العباسيون ويرفعون شعار (يالثارات الحسين)، فليس كل من رفع شعار الحسين هو جديربأن يرفعه، لأنه شعار متصل بالله وأوليائه وأنبيائه.

 ♦ المحور الأخير (هل حصل انزياح للبناء النمطي لعاشوراء؟): 

إن البناء النمطي مهما اختلفت صورته قد يحصل له انزياح، هذه البناءات التي تحدثنا عنها باختلافها، والتي تعيشها كل سنة في ذكرى عاشوراء، سواء كانت عاطفية، عبادية، إصلاحية، ثورية، والحالة التي نشعر من خلالها بالانتماء إلى نهج الحسين 📌 هل لا زالت على المسا ر الذي أسسه أهل البيت؟

أم أن هذه الصور النمطية انزاحت بعض الشيء وتحتاج إلى أن إعادة لبناء عاشوراء في بعض جوانبها؟

إن أحد الأهداف الرئيسة التي دأب أهل البيت ع في مسارهم التاريخي، من خلال ممارسة دور البناء العاطفي، والعبادي، والشعائري، والإصلاحي هو تقديم ثورة الحسين للأمة بحيث تصبح قضية الحسين ساخنة في نفوس الأمة، وليست مقتصرة على فئة خاصة، أو طائفة، فقضية الحسين قضية الإسلام لأن الحسين ابن رسول الله، والحسين هو الذي أعاد أحيا الإسلام.

عندما نعيد النظر في إحياء عاشوراء، من خلال ممارساتنا، وسلوكياتنا، وشعائرنا، ومنابرنا، 📌 هل تقدم القضية لحسينية تقديما إسلاميا أم أنه فئوي؟

لا ريب أن تقديم القضية الحسينية بأسلوب موجه للطائفة على وجه الخصوص يحافظ على اللحمة الطائفية، والأسس العقائدية لها، لكن القضية الحسينية أبعد من القضية الطائفية، ينبغي أن تُقدم للأمة الإسلامية بأجمعها ، يجب أن نعيد النظر في خطاباتنا، وفي ممارساتنا، ونتساءل عن أسباب عدم تقديم القضية الحسينية تقديماً إسلامياً،

📌 ولماذا لم ننجح في استقطاب جيراننا والقريبين منا من الطوائف الإسلامية الأخرى؟

لا بد من وجود خلل في خطابنا، فنحن في العقدين الأخيرين انكفأنا على أنفسنا، ولم نعد ناجحين في تقديم القضية الحسينية تقديمًا إسلاميًا، بينما الخطاب الحسيني الذي كان يقدمه الشيخ الوائلي نجح في استقطاب الطوائف الأخرى بحيث أصبح المسلم من خارج دائرة الطائفة مهتماً بقضية الإمام الحسين.

ولو رجعنا إلى السبعينات والثمانينات الميلادية من القرن الماضي، لوجدنا كتابات تتصل بأهل البيت من غير المسلمين، مثل: جورج جرادق في كتابه (علي صوت العدالة الانسانية) كما كتب بولس سلامة ملحمته، وكتب كتّاني وكتب أنطوان بارا (الحسين في الفكر المسيحي)، وغيرهم من المسيحيين كان خطابنا متوازنا لم يستقطب المسلمين من حولنا فحسب، بل استقطب الأمم الأخرى التي بدأت تنفتح على أهل البيت، وعلى منهجهم وتراثهم، أما في العقدين الأخيرين من الواضح أننا لم نعد ناجحين في استقطاب الآخرين، حيث حصل نوع من الانزياح للبناء النمطي، فحري بنا أن نعيد النظر في خطابنا، وفي طرق تقديمنا للقضية الحسينية، فالمنبر لم يعد مقتصرًا على المنبر الحسيني، فوسائل التواصل في الوقت الحالي أعطت لكل فرد منا منبره الخاص، فكيف ستقدم القضية الحسينية من خلال المنصات التي نرتادها؟

 يجب أن نعيد النظر، فهل نحن ناجحون في تقديم القضية الحسينية تقديما إسلامياً وإنسانياً أم لا؟

فنحن محسوبون على مدرسة أهل البيت، ونتولى مسؤولية إدارة قضايا أهل البيت، ومؤتمنون على مشاريعهم، وعلى رأسها عاشوراء الحسين، فلابد أن يكون مسارنا مساراً متناغماً مع الأدوار التي نهض بها الائمه(ع).

لذلك نرى روايات المعصومين إذا حل عليهم ذكرى عاشوراء يتفاعلون تفاعلا يبرزون من خلاله هذا المعنى للأمة،

يقول الرضا عليه السلام :(كان أبي إذا دخل عليه شهر محرم لا يُرى ضاحكاً أبداً، فإذا كان يوم العاشر كان يوم حزنه وبكائه ومصابه) ويظهر الإمام الكاظم بهذه الحالة للأمة، وكان الإمام الصادق (ع)يدخل عليه أبو هارون المكفوف، فيقول له الإمام يا أبا هارون أنشدني شعرًا في الحسين، فيقول أبو هارون: صرت أتمثل بشعر السيد الحميري...

أُمْرُرْ عَلَىْ جَدَثِ الحُسَيْنِ فقُلْ لِأَعْظُمِهِ الزَّكِيَّةْ..

يَا أَعْظُمَاً لَا زِلْتِ مِنْ وَطْفَاءَ سَاكِبَةً رَوِيَّةْ..

فقاطعني الإمام: لا، لا يا أبا هارون، لا تقرأ بهذه الطريقة رقق كما ترققون.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.068 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com