» الفلسفة السياسية النسوية – موسوعة ستانفورد للفلسفة   » جماعة العلماء و المدرسین فی الحوزة العلمية بقم المقدسة تعلن رأيها بالسيد كمال الحيدري   » السيستانية ونزعة الائتلاف والاختلاف   » المرجع الديني الشيخ مكارم الشيرازي يحذر خرافة فرحة الزهراء*   » "التكفير على ضوء المدرسة الشّيعيّة"   » 🔆جواب السيد السيستاني (حفظه الله) و ممارسة التضليل🔆   » (بالتفصيل) رداً على ما نُسبَ لشيعة ال محمد ( عليهم السلام) من تكفير عامة المسلمين :   » الشنطة العظيمة لا تلمسوها   » المظلومية والإيغال في العاطفة الرمزية   » بيان من جماعة من الأساتذة في الحوزة العلميّة في قم  

  

من أنسنة الإله إلي تأليه الإنسان
سماحة الشيخ إسماعيل المشاجرة - 06/09/2019ظ… - 10:41 م | مرات القراءة: 663


قوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾[١٦ - ق ].

🔹 مقدمة

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث عما عنوناه بـ(النزعة الإنسانية المعاصرة بين النشأة والتكوين)، وأعطينا عنوانا بأن مسار هذه الحركة انتقل من أنسنة الإله إلى تأليه الإنسان، وهذه المحاضرة نشرع بها الفصل الثاني من سلسلة الأطروحة التي اقترحناها لهذا الموسم والتي تبين البنية التوحيدية للإنسان، الدين والبناء التوحيدي للإنسان، وهذا يستدعي أن نتحدث في فصول , الفصل الأول انتهى وكان الحديث فيه حول الدين وماهية الدين، والليلة نشرع في الفصل الثاني الذي يرتبط بالأنسنة ومشروع الأنسنة الإنساني، والمقصود من النزعة الإنسانية. 

 حديثنا إن شاء الله سيقع ضمن ثلاثة محاور:

📌 المحور الأول: نتحدث فيه عن مفهوم الأنسنة من حيث المصطلح، وما الأدوار التاريخية التي مرت بها حركة الإنسان في تاريخ الفكر المعاصر، ورواده من الفلاسفة والمفكرين.

📌 المحور الثاني: أهم المرتكزات التي يستند عليها المذهب الإنساني أو النزعة الإنسانية.

📌 المحور الثالث: الرؤية القرآنية حول الأنسنة وبعبارتنا (الأنسنة الهادئة) التي يطرحها القرآن من دون مبالغات ومن دون إفراط.

▪▫▪▫

♦ المحور الأول: مفهوم الأنسنة والأدوار التاريخية التي مرت بها حركة الإنسان في تاريخ الفكر المعاصر، وروّاده:

🔷 أولا : تعريف الحركة الإنسانية:

سنعطي تعريفا مبسطا

يذكر "لالاند" (Lalande) في معجمه المعروف أن المقصود من النزعة الإنسانية عبارة عن حركة فكرية مركزية إنسانية متروية جعلت من معرفة الإنسان منطلقًا لها، وجعلت الإنسان موضوعًا لها لتقويمه وتقييمه وإبعاد كل ما من شأنه أن يغربه عن ذاته.

إذن، محور هذه الحركة الإنسان والاهتمام بالإنسان، تريد أن تتعرف على هذا الإنسان، فجعلت كل بحوثها ونظرياتها واهتمامها حول توصيف الإنسان، وتقويم سلوكه، وابتعاده عن كل ما يشينه.

 وهناك خلاف على مستوى مصطلح الأنسنة، فيه نزاع من جهتين:

🔸 الأولى:

 هل نسمي هذه الحركة فلسفة إنسانية، أو المنهج والمذهب الإنساني، أو النزعة الإنسانية؟ 

هذا جدل موجود في البحوث الغربية والعربية على حد سواء، لكن لا يصح وصف الأنسنة بأنها فلسفة أو بأنها مذهب فلسفي؛ لأن تعريف الفلسفات مضبوط في المعاجم اللغوية والمعاجم الفلسفية، وتعريف فلسفة لا ينطبق على هذه الحركة كما سنرى، فلا يمكن نقول: بأن الحركة الفكرية فيما يرتبط بالمشرع الإنساني هي عبارة عن فلسفة اضطلع بها فلاسفة ووضعوا لها أسس وقواعد، لأننا سنجد أن جملة من الفلاسفة والمفكرين الذين ينتمون إلى مدارس فلسفية متعارضة و متناقضة  يرفعون شعار النزعة الإنسانية ويتبنونه، إذاً لا ينطبق مفهوم الفلسفة على الحركة الإنسانية. ولا ينطبق عليها مفهوم المذهب أو المنهج وإنما التعبير الصحيح أنها نزعة، أي: ميول.

 🔸 الثانية:

عندهم جدل حول اللفظة، هل هي أنسنة، أو إنسانية، أو إنسانوية، حتى على مستوى المصطلح واجتراح المصطلح ونحت المصطلح عندهم خلاف، وهذا الجدل في اللغة العربية وكذلك عند الفلاسفة الغربيين، هل نعبر عن الحركة الإنسانية (Humans أو Humanism أو Humanist)، ولكن المتفق عليه وأغلب المفكرين والكتاب يستعملون مصطلح الأنسنة أو الإنسانية.

وفي الساحة العربية الذي نحت هذا المصطلح هو الدكتور "محمد أركون" حسب ما يذكر الدكتور "هاشم صالح" في كتابه (مدخل إلى التنوير) أن الذي أخترع ونحت هذا المصطلح في اللغة العربية هو الدكتور "محمد أركون". هذه مقدمة وتوطئة لتهيئة الأذهان.

  ⁉ السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نتحدث عن النزعة الإنسانية والخطاب الإنساني؟ ولماذا الاهتمام بهذا الموضوع؟

الجواب، هذه المواضيع من صميم القضايا الدينية، سأبينه فيما يلي:

السبب الأول الذي يدعونا للحديث عن النزعة الإنسانية أو (المذهب/المنهج/الخطاب) الإنساني، لأن الفكر المعاصر اليوم يطرح الخطاب الإنساني ومنهجه كبديل عن الخطاب الديني والدين، فيقول: إذا أردنا أن نتخلص من حالة الحروب الطائفية، والحروب الدينية، والنعرات القومية و.... فيجب أن نستبدل الأديان بالمذهب الإنساني، ونستبدل الخطاب الديني بالخطاب الإنساني، ونستبدل المشاريع الدينية بالمشاريع الإنسانية، ليكون بديلًا عن الدين، ولذلك اليوم ربما نشاهد في المعتركات الفكرية، وفي كثير من الكتابات، وكثير من المحافل الفكرية -سواء على الفضائيات أو على الانترنت أو في وسائل التواصل الاجتماعي- التركيز على القضايا الإنسانية ، من قبيل (أخي كن إنسانيًّا، ركز على القيم الإنسانية، لماذا تركز على الجانب الديني؟ لماذا أنت متعصب لدينك؟ لماذا متعصب لمذهبك؟ لماذا متعصب لطائفتك؟ تعامل على المستوى الإنساني، ...). نحن نقول: تعزيز القيم الإنسانية لابد أنه مطلب صحيح ولكن في ظل الدين، فاللدين إنما جاء ليعزز الخطاب الإنساني، فإذا كان الخطاب الإنساني في طول الخطاب الديني ومتلائم ومتناغم معه ومتناغم فمرحبًا بهذه الإنسانية، لكن إذا كان يُطرح على أنه خطاب بديل عن الخطاب الديني فهذا نوع من المجابهة للدين، الغرض منها إزاحة الدين من أجل إحلال الخطاب الإنساني والمنهج الإنساني كبديل عنه، ولذلك نحن نرى أمن الضروري مناقشة هذه الأطروحات، وخصوصًا في موسم المحرم، موسم المحرم هو موسم الإصلاح، مشروع الإمام الحسين مشروع إصلاحي، فإذا كانت هناك مشاريع تناهض الإصلاح الديني وتريد أن تمس من الدين فلا ريب أن معالجتها في شهر المحرم في موسم الحسين يتصل تماما بمشروع الإمام الحسين، فمعالجة هذه المواضيع هي معالجات إصلاحية، وهذا الطرح بدأ يتفشى في مجتمعاتنا الإسلامية وفي نخبنا المحلية، ونخبنا التي تنتمي إلى مدرسة أهل البيت، فنخشى أن الإفراط في هذا المنهج يكون على حساب الدين وعلى حساب الخطاب الديني، وبالتالي نحن معنيين بتهذيب هذا النوع من الطرح ووضع الأطر الواضحة له التي تتماشى مع الرؤية الدينية، أما الإفراط فيه فقد يكون إفساد للمشروع الديني، بالتالي لابد من ممارسة دور الإصلاح، فوظيفة منبر سيد الشهداء امتداد لوظيفة سيد الشهداء وهي الوظيفة الإصلاحية.

🔹 ثانيا: الأدوار التاريخية التي مرت بها الحركة الإنسانية، وروادها:

من خلال المقدمة السابقة اتضح سبب التحدث عن المشروع الإنساني والنزعة الإنسانية، ونتمم هذا المحور بالحديث عن الأدوار التاريخية التي مرت بها هذه الحركة، وكيف تكونت ونشأت، وسأطرح بحث تاريخي سريع -فيه نوع من التشويق-يبين لنا جذور هذه الحركة ونشأتها، وسنلاحظ كل محطة من المحطات التاريخية فيها معلم مهم يمس الجانب الديني، ويمس المشروع الذي نتحدث عنه، والذي عبرنا عنه بالمشروع الإصلاحي، مشروع تهذيب هذه الحركة الإنسانية.

🔻 الدور الأول (الجذور والمنشأ)

بدأت القضية في الدور الأول الذي بدأت فيه الحركة الإنسانية مما يعبر عنه بدور الجذور والمناشئ، أخذ بعض المفكرين يرجع جذور الطرح الإنساني إلى أيام اليونانيين، يقول: من أيام الفلاسفة اليونانيين كان مجموعة من الفلاسفة يتبنون الطرح الإنساني مثل "طاليس"، ومثل بعض السفسطائيين "بروتاغوراس" مثلا هذا كان يقول: الإنسان هو مقياس كل شيء – انظروا إلى المبالغة في النظرة إلى الإنسان-وينبغي أن نجعل الانسان مقياس كل العالم. ومن هنا يقولون أن بوادر وبذرات وجذور الرؤية او الحركة الإنسانية كانت موجودة عن اليونانيين.

 🔻 الدور الثاني (الأنسنة في عصر النهضة)

لكن الدور المهم هو الدور الثاني الذي يُعبر عنه بالأنسنة في عصر النهضة مطلع القرن الرابع عشر، حيث انطلقت البداية الحقيقية للحركة الانسانية وكان منطلقها في إيطاليا، فتبناها أديب ومفكر ايطالي اسمه "بورتوراش" وطرح مشروعا إنسانيا نادى فيه بضرورة أن تتمحور البحوث، والكتابات الأدبية، والخطابات الشفاهية، حول الانسان، وصار لهذه الدعوة صدى في الدول الأوروبية، فتلقفته بعض المجتمعات الأخرى كالمجتمع الألماني، ونادى بهذه الصيحة فيلسوف ألماني اسمه "جريكولا"، بعد ذلك بدأ بعض الفنانين والرسامين يتجاوبون مع هذه الأطروحة من أهمهم الرسام والنحات الإيطالي المعروف "دافينشي" الذي نادى أيضاً بضرورة أن يكون الإنسان هو محور الرسم ومحور الفن ومحور النحت، وبدأت تستشري هذه الدعوة.

يقول صاحب كتاب (مدخل الى التجربة الإنسانية) أن المنطلق في الحركة الإنسانية النقمة على الدين، قال هؤلاء بأننا لا يصح أن نسلم عقولنا للكنيسة لتفكر عنا، وتلقننا العلوم والمعارف، وتقرر كل شيء عنا، بل يجب أن نستقل ونعطي للإنسان حريته واستقلاليته، فنادى هؤلاء بضرورة نبذ الدين المتمثل في المسيحية في ذلك العصر، ونبذ الكنيسة، بل ونبذ الكتاب المقدس، وبالرجوع إلى عصور اليونانيين وترجمة أهم الكتب العقلية والفكرية التي تركها اليونانيون ليتم استبدال الكتاب المقدس –التورة والإنجيل-بهذه الكتب. وفعلًا اشتغل هؤلاء على ترجمة الكتب اليونانية القديمة إلى اللغات الأوروبية في ذلك العصر التي كانت لغات فتية في بداية تشكلها؛ اللغة الألمانية، اللغة الإيطالية، اللغة الفرنسية، واللغة الانجليزية.

🔻 الدور الثالث (الأنسنة الدينية)

حينما بدأ المفكرون  ينادون بنبذ الدين تحت عنوان شعار إنساني، لم يرق هذا الحال لعلماء الدين، فبدأت حركة الأنسنة الدينية أو الأنسنة الإيمانية التي تقول بأن الدين يتضمن خطابات إنسانية، ويؤكد على قيمة الإنسان ويؤكد على أهميته، وقادها مفكر هولندي ومفكر انجليزي اسمه "توماس مور"، فبدأت تتشكل حركة أنسنة دينية، لكن لم يوفق هؤلاء الدينيون، فبعد نشوء هذه الحركة نشبت الصراعات الطائفية بين المسيحيين، الكاثوليك من جهة والبروتستانت من جهة، ونشأت حروب وذهبت ضحيتها آلاف بل مئات الآلاف من البشر، فنقم الإنسانيون على هؤلاء الدينيين الذين قالوا بأن الدين يؤكد على القضية الإنسانية ويدافع عن الإنسان، فكيف يحافظ على الانسان وأنتم استدرجتمونا إلى هذه الحروب؟ فنشأ كردة فعل لهذه الحركة الانسانية الدينية؛ حركة إنسانية إلحادية بدأت تتشكل في نهايات القرن السادس عشر الميلادي، قادها جملة من الملحدين قالوا أن الدين هو المرجع الشرير للناس، متى ما رجعوا له سيشيع القتل وتشيع الطائفية، فدعونا ننبذ الدين ونؤسس منهجًا إنسانيًا، وقالوا كلمة جدا خطيرة: إذا كان لابد للناس من دين؛ فلنجعل هذا المذهب الإنساني ديننا، وبذلك صارت القضية واضحة ومواجهة للدين. 

🔻 الدور الرابع (الأنسنة في عصر التنوير)

وهو أخطر من الدور السابق، عصر التنوير ما بين القرن السادس عشر والثامن عشر، هنا قاد فلاسفة ومفكروا عصر التنوير الحركة الإنسانية، وهو عصر مهم في التاريخ الأوربي، فكل الثقل الفلسفي والفكري والعلمي تبنى الحركة الإنسانية، وكان منطلق هذه الحركة في باريس وتبنى جل الفلاسفة الأوربيين هذا الاتجاه: المناداة بأهمية الإنسان وأنه محور كل شيء، وتبنى هذه الفكرة كل فلاسفة عصر التنوير (فولتير/ وجان جاك روسو/ وديفيد هيوم / إيمانويل كونت)، وغيرهم، وانتهى هذا الدور بالثورة الفرنسية وإعلان وثيقة حقوق الإنسان، إذ بلغت الفكرة الإنسانية ذروتها بميثاق حقوق الإنسان الذي أطلق في فرنسا، وبهذا تكون الحركة الإنسانية تقدمت بشكل ملحوظ.

🔻 الدور ما قبل الأخير (في القرنين التاسع عشر والعشرين)

هنا بدأت الحركة الإنسانية تتضخم أكثر فأكثر، لأنه من الأمور التي نادت بها حركات الأنسنة في الأدوار الماضية إعلاء شأن الإنسان، والاهتمام بالمعارف التي تجعل الإنسان يتقدم ويتحضر. وفي هذه المرحلة من القرن التاسع عشر والقرن العشرين تطورت المعارف الإنسانية تطورًا بالغًا على مستوى العلوم الطبيعية، وعلى مستوى العلوم الإنسانية -وهي الأهم-فنشأ علم الاجتماع بقيادة "أوغست كونت"، ونشأ علم النفس بقيادة "فرويد"، فتطورت العلوم الإنسانية؛ وصار هذا التطور ثمرة من ثمرات الحركة الإنسانية. فقال هؤلاء: لا سبيل لتطوير المجتمع وتحضره والوصول به إلى حضارة متقدمة إلا بالاهتمام بحركة الأنسنة؛ لأنها خدمتنا فجعلت علومنا الإنسانية تتطور، وكذلك علومنا الطبيعية والاكتشافات الفيزيائية والكيميائية، لذلك اُحتضنت هذه الحركة من قبل علماء الطبيعة من جهة، وعلماء العلوم الانسانية من جهة أخرى.

وكما يعبر بعض الكتاب، بأن الحاضنة الأساسية لهذه الحركة هي العلمانية والإلحاد، فأكثر من دافع عن المنهج الإنساني بشراسة هم العلمانيون والملحدون، وهم أكثر من يؤكدون على الخطاب الإنساني وهذا ما يجعله مشوبًا بالمخاطر، لان من يتبناه هو الفكر الإلحادي ليزيل الدين ويُحل الخطاب الإنساني كبديل عنه، ومن أهم رواد الفكر الإنساني الإلحادي الفيلسوف الألماني المعروف "هيدجر"، والفرنسي "سارتر"، في المقابل لا ننفي أن هناك حركة إنسانية قادها بعض المفكرين والفلاسفة الموحدين، مثل الفيلسوف الفرنسي "غابريل مارسيل"  الألماني "اسبار" فهما من رواد الحركة الإنسانية التي تؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى، والبعض ينسبها إلى الجذور الأقدم من أمثال "ديكارت"، ثم انتهت هذه المرحلة بتأسيس ما يعرف بـ(الزمالة الإنسانية)، وهي مؤسسة فكرية أنشئت في أمريكا عام 1927م، وأُصدر البيان الأول، الذي يعبر عنه في التاريخ الفكري بـ(البيان الإنساني الأول) عام1933م، كتبه اثنان من الفلاسفة ووقع على هذه للوثيقة ٤٣ مفكر وفيلسوف، من أهمهم مؤسس أو رائد الفلسفة البراغماتية (جون ديوي)، فبدأت الحركة الإنسانية تستقطب كبار المفكرين وكبار الفلاسفة.

🔻 الدور الأخير (الأنسنة السياسية)

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية نادى كبار الساسة بضرورة استبدال كل الخطابات الدينية والقومية، لأن الحرب العالمية الثانية كان منشئوها قوميات كالنازية والفاشية، فالسياسيون قالوا لا مصحح للمسار إلا إذا استبدلنا الخطاب القومي والخطاب الإثني والخطاب الديني بالخطاب الإنساني، فتبنى السياسيون الخطاب الإنساني، وكان شعار هيئة الأمم المتحدة هو الخطاب الإنساني، وتبنى ثلاثة من كبار المفكرين و المؤسسين لهيئة الأمم المتحد هذا الخطاب، وهم رئيس منظمة اليونسكو "هكسلي"، ومؤسس اليونيسيف "تشيشلوم" ومؤسس هيئة الأغذية والزراعة "جون بيدي ".

هؤلاء الثلاثة طرحوا ما يعرف اليوم بالأنسنة السياسية، إذا اليوم يوجد جناح مهم في الخطاب السياسي ينادي بالأنسنة، وهذا يلفتنا إلى جانب مهم جدا أن الخطاب الإنساني في كثير من الأحيان يكون مُسيّسًا، فتحركه أجندة سياسية من أجل إزاحة الدين ومزاحمته.

من بعد هذا المرور التاريخي نصل إلى النتيجة الأخيرة للمحور الأول؛ أنه نشأ عن هذه الأدوار التي ذكرناها أصناف متعددة من المناهج الإنسانية، وهنا ينبغي أن نكون دقيقين وبصيرين في تبنينا للخطاب الإنساني، فهناك الأنسنة الإيمانية؛ فإذا كانت تستقي من رؤية دينية إيمانية لا مانع منها، بينما هناك أيضا أنسنة إلحادية، وهناك سياسية، ولذلك حتى كبار المفكرين ممن يطرحون مشاريع أنسنة في الوسط الإسلامي مثل د. "محمد أركون" يقول: لابد أن نميز بين ثلاثة أنماط من الأنسنة:

▪ الأول: هناك أنسنة ذات المحتوى الديني، ومعناها أن يُطرح الإنسان كمورد اهتمام في الخطاب لكن يستقي الإنسان كرامته وعزته من انتمائه لدينه وطاعته لله عز وجل، فإذا كان هذا منطلقك فلا بأس بهذا الخطاب. 

▪ الثاني: الذي يحذر منه "أركون"، فيقول إذا كان الخطاب الإنساني ذا محتوى فلسفي بحيث كل التركيز على جانب العقلي، وإذا أردت أن تقدم خطاب إنساني وعقلاني؛ فيجب أن تبتعد عن الرؤية الدينية، فهو ينادي بضرورة التحرر عن الدين، -وهذا خطير جدًا-لذلك لابد أن تقيّم من يطرح عليك خطاب إنساني، أن تدخل معه في التفاصيل، وتسأله أنت تنطلق من أي رؤية؟ هل تعتبر الانحياز إلى الدين انحياز إلى الأنسنة؟ أم ضد الأنسنة؟ 

▪ الثالث: يعبر عنه الإنسانية الكلية، ويعتبرها أهم وأفضل أنواع الأنسنة، وهي الأنسنة التي تنادي بمركزية الله والإنسان، فلا تقصي الباري سبحانه وتعالى، حيث سيتضح فيما بعد أن الأنسنة من منزلقاتها أنها أزاحت الدين، بل أزاحت الله سبحانه وتعالى.

فالإنسان البصير الذي يحرص على دينه ويكون واعي ودقيق فيما يطرح؛ لابد أن يصنف أنسنته وخطابه الإنساني ينطلق من أي صنف من الأصناف الثلاثة السابقة.

▪▫▪▫

♦ المحور الثاني: أهم المرتكزات التي تستند عليها الحركة الإنسانية.

أهم الأسس التي ترتكز عليها الحركة الإنسانية ثلاثة أسس:

🔹 المرتكز الأول:

 مركزية الإنسان-وهذا قد اتضح منذ بداية حديثنا-وبعض الكتاب يقولون بأن الحركة الإنسانية أو النزعة الإنسانية تشابه تمامًا الثورة (الكوبرنيكية) في الفلك، لما جاء "كوبر نيكوس" قال: هذا التوهم الذي كان عند الفلكيين القدامى حسب الرؤية (البطليموسية) أن الأرض هي مركز الكون وهم غير صحيح، والصحيح أن الشمس هي مركز الكون، ومنذ ذلك اليوم صار الحديث أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية، وهؤلاء يقولون أن الحركة الإنسانية مارست نفس الدور على المستوى الفكري، فقد كان الله عز وجل في البحوث الفكرية والفلسفية على مر العصور السابقة هو المركز، فالبحوث الدينية و المعرفية و العلمية و الطبيعية كلها تتمحور حول الله، فهو الذي يدبر الكون ويدير كل ذراته، ثم جاءت هذه الحركة ونقلت المركزية من الله إلى الإنسان ولهذا يقول  المفكر اللبناني د. "علي حرب": بأن العلمنة والحداثة هما في واقع الأمر وجهان، الباطن لهما الحركة الإنسانية، فهي التي أوجدت  العلمنة والحداثة، والمحذور: (أنه من بعد حركة الأنسنة بدأت العلوم في بحر الحداثة والعلمنة تُحِل سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة و الكون محل السيادة الإلهية)، وهذا ما نعبر عنه بتأليه الإنسان، فقد جُعل الإنسان محط النظر من خلال المبالغة في كرامته وحرياته، بحيث إذا تعارضت الأمور المرتبطة بالله مع الأمور المرتبطة بالإنسان؛ نقدم الإنسان، فإذا العبادات تضر بالإنسان-وهي مرتبطة بالله- نتركها، وإذا الدين يقيد الحريات، ويجعل المرأة ترتدي الحجاب، والشاب لا يشبع غرائزه ولا يفعل ما يحلو له؛ فهذا من شأنه أن يقيد الانسان ويقيد حريته ويقزم من قيمة الإنسان، فننبذ ونرفض التعاليم والقيود الدينية حتى نعلي من شأن الانسان، فنصل إلى تأليه للإنسان وإزاحة للمركزية الإلهية. 

اتضح من المحور الأول أن ليس كل الخطابات الإنسانية مغالية ومفرطة، فقد يكون خطاب إنساني معتدل يتماشى مع الطرح الديني، فلا نتحامل على كل الخطابات الإنسانية، لكن المساحة الكبرى من الطرح الإنساني مناصر لهذه الركيزة.

🔹 المرتكز الثاني:

 يقول أنه لابد أن نبعد كل ما من شأنه أن يقلل ويهمش الإنسان، فإذا كانت هناك أمور تقلل من شأن الإنسان يجب أن نستبعدها، وهنا يتعزز إزاحة الدين، لأنه إذا صُور بأن الدين يتعارض مع تعزيز الإنسان وإذكاء الحريات للإنسان وإعطاؤه كل ما يريد؛ فيجب أن نزيحه. لذلك يقول المفكر الفرنسي البلغاري المعاصر "تودوروف": بلغ الحال من الإفراط عند رواد الحركة الإنسانية أنهم نادوا باستبدال النصوص الدينية بنصوص بشرية تُستورد من العصر اليوناني، ويعزون السبب في ذلك أن النصوص الدينية في –خصوصًا في التوراة والإنجيل-ليس لدينا ضمانة على حقانيتها، قد تقدم لنا معارف غير صحيحة. يقول هذا المفكر: أيضاً ما الضمانة على أن هذه الكتب والنصوص التي استوردتموها من العصر اليوناني تمتلك الحقانية؟ -وهذا ما أوقعهم في تناقض-فأنتم تركتم النصوص الدينية لأنكم تقولون ليس لدينا دليل على صحتها، إذا لا يوجد دليل على صحة ما استوردتم. وبالتالي يقول: هذا مظهر من مظاهر الإفراط.

جانب آخر-وهو جانب مهم-أنهم قالوا بأن الإنسان يتشكل من جسد وروح، وأكثر ما عطل مسيرة التطور الإنساني في العلوم الطبيعية والإنسانية تركيز الأديان على الجانب الروحي، فإذا أردنا أن نعلي من شأن الإنسان يجب أن نركز على الجانب الجسدي، ونعلي كل ما من شأنه أن يعزز الجسد، فنشجع الغرائز الجسدية، ونعطي الإنسان الفسحة لممارسة كل ما يحلو له فيما يرتبط بالجانب الجسدي، وهذا ما يعبر عنه د." عبد الوهاب مسيري" بـ(تشييء الإنسان) أي تحويل الإنسان إلى أنه كأي كائن من الطبيعة، كل المهم الجانب المادي، فأغفلوا الجانب الروحي وصوروا الإنسان بأنه فقط مادة وجسد، مثل أي مادة من التي نراها في الطبيعة.

🔹 المرتكز الثالث والأخير:

قالوا لابد من تعزيز الحريات وإذكاؤها، وتعزيز العلوم والمعارف، وهذه دعوه جيدة لكن بشرط ألّا يكون تعزيز العلم والمعرفة على حساب القيم الروحية والأخلاقية، اليوم ما نراه من ثورات علمية، ومبالغات علمية في كثير من الأحيان يتحول فيها العلم إلى سلاح يفتك بالبشر، فاليوم أسلحة الدمار الشامل هي منتج من منتجات العلوم، لكن أين القيمة الأخلاقية؟ وأين الأنسنة التي تنادون بها؟ 

هذا التقدم العلمي صار يبيد الإنسان، فبعض البحوث في الهندسة الوراثية تهدد وجوده، وبعض بحوث الذكاء الصناعي تهدد مستقبله، وبذلك وقع المذهب الإنساني في تناقض مع ذاته، فقد أعلى اﻹنسان من قيمة العلم والمعرفة وبدأت ترتد عليه سلبًا، ومادام هذا المذهب يعزز الحريات، ويُنادى أن يُزاوج الإنسان بمثله، وفي هذا تهديد للجنس البشري، فإذا صار الإنسان لا يتكاثر بالطريقة الطبيعية الفطرية التي سنها الله تعالى؛ فهذا يهدد الوجود الإنساني برمته، فاﻷسرة اليوم في المجتمعات الغربية مهددة، بدأت تتفكك، تنتقل من الأسرة العمودية إلى الأسرة اﻷفقية، وهذا يهدد مستقبل الوجود الإنساني.

إذن اتضح أن هذه الركائز التي يطرحها الإنسانيون تؤول إلى إبادة الإنسان نفسه، وهذا تناقض، نعم، لابد أن نشير أن لهذه الحركة الإنسانية مكاسب، فاليوم نتيجة المناداة بحقوق الإنسان عولجت الكثير من القضايا التي كانت تضر بالإنسان، فالعنصرية والنعرات القومية والعرقية والمذهبية...، قلت بشكل واضح، النبذ والتقليل من شأن الإنسان الفقير ، والذي لا يمتلك القدرات الكبيرة، بدأت تتلاشى، فبدأ ينعم ببعض النتائج المفيدة نتيجة للخطاب الإنساني، وحصلت اﻷقليات في سائر المجتمعات الإنسانية –بما فيها المجتمعات الإسلامية- بدأت تأخذ مكانها وموضعها، وتحصل على  حرياتها في ممارساتها الدينية والفكرية، إذن لا نضايق من أن يكون للخطاب الإنساني منافع، لكن المخاطر كبيرة وليست هينة.

▪▫▪▫

♦ المحور الأخير: الرؤية القرآنية حول الأنسنة (الأنسنة الهادئة)

هل نستطيع أن نؤصل لخطاب إنساني منبعه القرآن. لا ريب إن للقرآن خطابا إنسانيا فريدا من نوعه، وهو ما يُعبرعنه بالإنسانية الهادئة. وللخطاب القرآني ركائز عديدة منها إعطاء الإنسان موقعيته وكرامته، دون وضعه بديلًا عن الإله، ورفعه فوق مقام خالقه.

🔻 أول ركيزة/ نستقيها من قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة} [البقرة: 30]

في هذا المشهد يأمر الله تعالى الملائكة هؤلاء الخلق الملكوتي العظيم الذي كان في خدمة الله تعالى دهرا بالسجود لآدم، وآدم رمز للإنسان.

هذه الآية القرآنية تعطي مركزية للإنسان تفوق المركزية التي تطرحها المذاهب الإنسانية، لكن لا بد أن نلتفت إلى أن هذه المركزية التي منحت للإنسان هي مركزية ظليّة، فأنت أيها الإنسان تكون مركز الوجود وتسجد لك الملائكة وتكون خليفة الله في أرضه؛ إذا كان وجودك يحيل إلى الله ويشير إليه تعالى ، فهي مركزية مرآتية أهم وظائفها الإحالة والدلالة على الله ، وهذا ما يحفظ لله جل وعلا مركزيته ومحوريته في الوجود بمقتضى عقيدة التوحيد ،  من دون أن تتحول مركزية الانسان إلى تأليه للإنسان كما حصل في المركزية الإنسانية المعاصرة . لكنك ما أن تنزلق وتبتعد عن الله، وتتبع غرائزك، ستصبح كأدون المخلوقات، فمركزيتك تستقيها من اتصالك بالله.

🔻 الركيزة الثانية/ ونستقيها من قوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [اﻹسراء:70].

اﻹنسان أكرم الكائنات مادام عبدًا ذليلًا لله تعالى. فالكرامة التي أعطيت له مُستقاة من اتصاله بالله تعالى. فلا سبيل لك إلى الكرامة إلا إن تكون إنسانًا ذا دين، وهذا خلاف ما قام به اﻹنسانيون من استبعاد للدين. مادام اﻹنسان متصلا بالله فكل الكائنات تخافه ولا يخافها، وتصبح في خدمته، ويتعايش معها بسلام، وإذا ابتعد عن الدين سيهلك الأنعام ويفسد الحرث والنسل.

🔻 الركيزة الثالثة/ أن الإنسان إنما يكرم بتقواه، القرآن يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

في رؤيتنا القرآنية يعد تعدد اﻷعراق ثراء للمجتمع الإنساني. فلولا هذا التعدد لما عمرت الأرض، ولا فضل لعرق على عرق، إنما اﻷفضلية بين الناس بالتقوى. والتقوى لا تعني حالة الورع الداخلية، لكن المقصود منها أن يكون الفرد منجًزا، يخدم الإنسانية، ويعمر اﻷرض، ويخدم الله تعالى.

والتقوى على صعيدين: عطاء مادي وعطاء معنوي. بالتقوى سوف يسخر اﻹنسان كل علومه ومعارفه في خدمة البشرية، وبلا تقوى يمكن أن تتحول العلوم والمعارف إلى سلاح يفتك بالإنسان. أما العطاء المعنوي فهو ما يعبر عنه القرآن بـ (العمل الصالح) وهو يرفع معنويات البشر، فكل العطاءات المعنوية من حب وأخلاق وصدق وأمانة وغيرها، يعتبرها القرآن إنجازًا وعملًا صالحا.

والعطاء المعنوي أهم، فالمجتمعات تفيض بالعطاءات المادية، لكن كل ما في الأرض من دمار؛ فهو ناتج عن انحسار العطاء المعنوي.

وهذا ما يجعلنا نقدس العالم الذي عطاؤه معنوي، ونقدّر العامل المنتج، وهذا ما يشير له القرآن {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ} [فاطر: 28]، والعلم ليس حكرًا على علماء الدين، بل كل عالم أيًّا كان مجال علمه وعنده تقوى؛ فالقرآن يدعونا لاحترامه.

ولذلك نرى سيد الشهداء عليه السلام في مسيرته إلى كربلاء يفيض بالعطاء المادي والمعنوي، لما جاء الحر وأصحابه وهم في حالة شديدة من العطش قال (ع): أسقوا القوم ورشفوا الخيل ترشيفًا،

الخطاب الإنساني لا يفهم كيف تحفظ حياة إنسان وهو يريد قتلك بعد حين، ويعتبر هذا سذاجة، ويرى أن الصحيح هو منع الماء عنه حتى يموت، هذا هو الخطاب الإنساني المعاصر، لكن الخطاب القرآني يقول ألّا تعاقب إنسانًا قبل أن يجرم، ويعلمك أن وظيفتك حفظ كيان الإنسان وكرامته ولو كان أشد أعدائك.

▪▫▪▫

🔷 لمشاهدة المحاضرة كاملة

‏https://youtu.be/aZO56K-TJZM

🔷  تابعوا بقية محاضرات مع فريق صدى المنبر عبر التليغرام

‏https://t.me/sadaalminbar

  🔷 و لمشاهدة بقية المحاضرات  تابعوها على قناة مجلس الرضا ( الشخص ) في اليوتيوب ، والبث المباشر سيكون تمام الساعة ٨:٣٠ مساءا 

‏https://www.youtube.com/channel/UCT1DoRXpEehBmpmx_RrMnJA


الليلة الخامسة من شهر المحرم الحرام ١٤٤١
🖋 تحرير فريق صدى المنبر
▪▫▪▫▪▫▪▫

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.071 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com