» السيستانية ونزعة الائتلاف والاختلاف   » المرجع الديني الشيخ مكارم الشيرازي يحذر خرافة فرحة الزهراء*   » "التكفير على ضوء المدرسة الشّيعيّة"   » 🔆جواب السيد السيستاني (حفظه الله) و ممارسة التضليل🔆   » (بالتفصيل) رداً على ما نُسبَ لشيعة ال محمد ( عليهم السلام) من تكفير عامة المسلمين :   » الشنطة العظيمة لا تلمسوها   » المظلومية والإيغال في العاطفة الرمزية   » بيان من جماعة من الأساتذة في الحوزة العلميّة في قم   » مآلات تحريض الحيدري على علماء الشيعة   » السيستاني يفتي بأن أهل السنة مسلمون كالشيعة وعبادتهم مبرئة للذمة  

  

اثير السادة - 15/07/2020ظ… - 12:30 ص | مرات القراءة: 253


كتب الناقد الصديق محمد العباس يوم أمس كلاماً مهماً عن أحوال الثقافة بالمنطقة، قدم من خلاله شهادته على حقبة زمنية عاصرها، وعايش فيها تماوجات الثقافة داخل الوطن وخارجه،

مفتتحاً حديثه بالإشارة إلى دلالة الاستحضار الدائم لقصة بنت الشاطئ وزيارتها للمنطقة في الوعي الجمعي، والتي تبدو محاولة لتجاوز الشعور بالنقص والهامشية على ما يفسر صديقنا العباس.

ثمة عناوين ثقافية داخل المقالة المذكورة يختصر بها العباس طبيعة المشهد الثقافي بالقطيف، بين الأمس واليوم، وبين داخل القطيف وخارجها، تجعل منه يقرر في نهاية المطاف نتائج مؤداها أننا أمام مجتمع "بارد"، "صامت"، "مرتبك"، متردد، متقوقع داخل دوائره الهوياتيه، ضيق الأفق في تطلعاته، الأمر الذي أخذه-أي المجتمع- إلى الاستمرار في دائرة الإستهلاك الثقافي والبقاء خارج المجد الثقافي والانجاز الابداعي.

من هذه العناوين البارزة التي يوردها العباس في مقالته : التردد حد الغياب عن القصيدة النثرية، والغياب عن سجالات الحداثة، وتأخر صدور الروايات، وازدراء العلوم الإنسانية على حساب التخصصات الوظيفية، وهي جميعها برأي العباس تعزز القناعة بوجود حس محافظ وتقليدي و وعي قروي متحكم بمزاج واتجاهات النصوص التي ينتجها المجتمع.

هنا تحديدا يأخذنا العباس في مراوحة بين مشهد ثقافي ومشهد اجتماعي، باعتبار أن الأول هو بالنتيجة متأثر بالثاني، أي أنه صنيعة هذا الفضاء الاجتماعي الذي يرفده بمختلف أسئلة الحياة، ويهبه مزاجه ولونه واهتماماته، عبر مضخات مختلفة تتشارك فيها الأعراف والنظم والقيم والمؤسسات الفاعلة وفي مقدمتها المؤسسة الدينية التي عادة ما تتقدم مشهد الحياة في المجتمعات المحافظة، والتي ترى من وظائفها الحفاظ على تماسك الجماعة، ضمن أشكال فكرية وسلوكية ترسمها النصوص الدينية، أي أنها تحرص على إيجاد حالة نسقية متجانسة في مواجهة أسئلة الحياة وتحولاتها.

وهذا تحديدا ما يميز "الوعي القروي" في مقابل "الوعي المدني" إذا أردنا توسيع دائرة الفهم لهذا الوصف الذي استعاره العباس في مقالته، فالمسألة هنا لا تتعلق بتقسيمات جغرافية، بل بسمات ثقافية واجتماعية تطبع صورة الإنسان المحسوب على روح القرية، وتهبه ما يشبه كاتلوج الحياة، وهو كاتالوج مليء بالمحذورات، والمحذوفات، والاحتياطات، والتوجيهات التي تحدد شكل حركته ونمط تفكيره، أي أننا أمام إنسان هو امتداد لصورة المكان، المكان الذي وإن تحول عن صوره الأولى، إلا أنه يظل يحمل في داخله جينات القرية وأنساقها، بينما المدينة في مفهومها العصري هي المساحة المفتوحة على الاختلاف، والتنوع، والمغامرة، المدينة المليئة بصخب الحياة والتمرد، وازدحام الهواجس الفنية و الأدبية.

هل غادرنا الوعي القروي في القطيف؟

سؤال لا يقطع العباس في الإجابة عنه، وهو يستمر داخل المقالة في المقارنة بين ثقافة ما قبل الألفية الجديدة وما بعدها، حيث يقر بوجود انفتاح ثقافي على الآخر وعلى مختلف وجوه الثقافة حالياً، تزامن مع هبات العولمة، وهو يتسم برغبة إنتاج مختلف النصوص وتقديم مختلف أشكال الثقافة، إلا أن طبقة المثقفين برأيه لا تزال ترزح تحت وطأة الحس المحافظ والوعي المتسيج بسياج الدين.

بين تقويم المشهد وتفسيره، مضت المقالة المرصودة لوصف "الحال والمآل الثقافي"، كمادة أولية تصلح للتجدال حول واقع الثقافة بهذه المنطقة الجغرافية التي تطمع بأن تذهب إلى المستقبل دون التخلي عن ماضيها، وأن تعيش حداثتها الاقتصادية والعمرانية دون أن تخسر قيمها وسحنتها الاجتماعية، وأن تندمج في فضاء الوطن دون التخلي عن خصوصياتها الثقافية والدينية، وأن تعانق مغريات المدينة وتتمسك بحنينها للقرية وطمأنينتها، سكونها وبساطتها.

إنسان القرية إياه يكتب اليوم نصا شعرياً حداثياً، وينتج أفلاماً سينمائية قصيرة، ويقدم عروضاً مسرحية تجريبية، ويختبر أدواته في كتابة الراوية، فهل هذا يكفي للخروج من كهف "الوعي القروي"؟ هل يلزم أن نخلخل البنية الفوقية لنحدث واقعاً اجتماعياً جديداً يسمح بولادة أصوات أكثر انفتاح على الثقافة في عناوينها الفنية والأدبية؟ لماذا هذه المقابلة المستمرة داخل المقالة بين الانتاج والاستهلاك الثقافي في الوقت الذي تكون فيه الكثير من المجتمعات المتقدمة ثقافياً منتجة ومستهلكة في ذات الوقت؟ هل يمكن القول بأن كل مبدع أو مثقف هو بالنتيجة صدى لمبدعين ومثقفين آخرين، تأثر بهم وتمثل أحوالهم، ثم أليس في الحديث عن ثقافة "القطيف" شيء من مشاكلة الوعي القروي، الذي يبحث عن تحصين الذات وتمييزها أمام الآخرين؟ أليست القطيف جزء من فضاء اجتماعي وثقافي وسياسي أوسع؟ هذه العودة إلى الحصون الجغرافية الصغيرة ألا تستبطن خوفاً من الاندماج والتماهي والانفتاح مع الفضاءات الأوسع والأرحب؟.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.056 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com