"لم أخرج أشرا ولا بطرا"
المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 16/08/2020ظ… - 10:01 ص | مرات القراءة: 338


الخروج لا يعني فقط حركة الجسد، بل يعني حركة الفكر والقيم والعقيدة عن قناعة، للسعي الحثيث نحو خروج العقل من نمط التفكير الذي اعتاده،

 ومن نمط الجماعة التي تعود عليها. ومن نمط العبودية التي اعتادها وتعايش معها في لاوعيه، حتى باتت جزء من ثقافته التي ورثها للأجيال القادمة التي اعتبرتها وضعا طبيعيا.

لا يعني الخروج الانقلاب على العقيدة الصحيحة، بل هو خروج لتعديل مساراتها التي انحرفت عن جادة الصواب والحق، ولا يعني ترك بيئتك ومن تحب وتنتمي إليهم، بل يعني معالجة نواقص هذه البيئة، وسد ثغراتها، وإصلاح مفاسدها، وإعادتها إلى جادة الصواب، وتحقيق النمو المعرفي الذي يدرك الزمان والمكان واحتياجاته وإشكالياته، فالخروج أيضا يعني وعي بالحاجة للبحث الحثيث عن الحقيقة، وإدراك تعدد مشاربها بل قد يكون موردها جامعية العقول والآراء الدقيقة والمنطقية، المثبته بطرق علمية ومنهجية بالدليل، لفهم أقرب لها.

كما يعني وعي الواقع وعدم الهروب منه بتبريرات تعزز الخلود إلى الأرض، خوفا من التغيير، أو كسلا علميا وحركيا، أو اعتيادا على وضع قائم. فالتبرير هو إطار آخر للتعمية والبعد عن الحقيقة. فرغم أن الإمام الحسين عليه السلام قدم لصحبه ليلة عاشوراء مبررا لهم لتركه، وأجازهم شرعيا من هذه المسؤولية، وهو مبرر شرعي يمكن لأي من أصحابه اتخاده ذريعة دون أن يؤثم، إلا أن هذا المبرر الشرعي لم يكن مسوغا لأي من أصحابه ترك الحقيقة وحيدة في مواجهة الباطل والوهم، ترك الحقيقة منفردة في مواجهة كل أنواع الانحراف الفكري والمعرفي والقيمي والديني، والعقدي والفقهي والأخلاقي. بل كانوا جزء ضليعا في هذه المواجهة، واندكوا بالحقيقة، وباتوا ملتحمين بها حتى لا تميزهم عنها.

فمثلا العقيدة لها ثوابتها الراسخة إن تم إحرازها وفق منهج الدليل والبرهان المتطلب للبحث وبذل الجهد، وليس بالتقليد والوراثة. ولكن ثمارها تنضج بنضوج الأفكار، فمن أحرزها وفق المنهج السليم لن يغلقها كثابت مطلق، بل سيستمر بمنهج الدليل والبرهان، ليعمق ويطور ويوائم ويواكب، فالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو ما يجعل الفروع دائمة النمو مع ثبات الأصل وإروائه بالبحث والأدلة والبراهين. وكل محيط الإنسان فيه ثابت يجب إحرازه بالدليل والبرهان، وفق نظر موضوعي قدر الإمكان، وفيه متغير.

الإصرار على البقاء بعيدا عن الواقع أو الرضوخ له وعدم السعي إلي تغييره وتطويره، والبقاء في صناديق كثيرة، هو أحد أهم أسباب الثبات وعدم الحركة والنهضة. هناك إيجابيات جميلة، لكن كي تنمو وتحرز الأثر تحتاج لاعتراف بالسلبيات والنهوض بتغييرها، كي تمضي مسيرة الإيجابيات وتتطور.

الركون لما هو قائم بحجة أنه الحق المطلق، أو بسبب تدعيمه بأدلة دينية تم شراء ذمم أصحابها، وبشعارات تم رسمها بريشة الباطل وتوزيع الهدايا، هو ركون ماضوي تعطيلي لقدرة العقل في التمييز بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبيح، فهو ركون لا ينتمي لحركة التغيير العقلي المعرفي والتفكر، التي طالما دعا لها القرآن. الركون للظالم بحجة الخوف من الموت والسجن، هو الموت بعينه، بل هو هو فناء الروح وسجن الجسد.

الركود والركون لا ينتميان لطبيعة الإنسان في السعي للكمال، فهما نوع من الاستكانة لما هو قائم بحجة "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، وهي حجة لا تنتمي إلا للحق المطلق وهو الله تعالى.

لا يمكن تغافل مسؤوليتنا العظيمة في إكمال مسيرة النهضة والتطور لتسليمها للأجيال، بعد تخليصها من شوائب الماضين، فإن لم نفعل فسيلعننا الأجيال لأننا لم نتحرك خارج دائرة السكون.

فالسعي سمة إنسانية لا يمكن تحققها دون معرفة وإدراك، حتى لا يكون سعيا عشوائيا لا يزيدنا إلا بعدا عن مسار الحركة إلى الله، وعمارة الأرض بما ينفع. فيتحول الإنسان من السعي المثمر، إلى خبط عشواء قد يصيب ببعضه، ويخطيء في آخر.

ومراقبة الواقع ومآلاته بشكل دوري، وبنظرة استراتيجية يمكن من خلالها للإنسان المنصف، أن يدرك مدى سعيه للحقيقة، ومدى تحقيقه للانزياحات المعرفيه في وعيه وبالتالي وعي المجتمع والمحيط. 

من أجلى مصاديق الإصلاح والنهضة هو رفع الظلم وتحقيق العدل.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.067 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com