د. ملحة عبدالله - جريدة الرياض - 05/02/2021ظ… - 9:07 ص | مرات القراءة: 225


إنّ أغلب حالات الطلاق في مجتمعاتنا العربية ترجع إلى الخلاف على الإنفاق ومرتبات النساء، وبذلك أصبح مرتب المرأة "قنبلة موقوتة في استقرار الأسرة" كما

عنونته أغلب الصحف لتحقيقات أجرتها في هذا الشأن، ونحن لا نعمم الأمر على كل الرجال المحترمين والحافظين للعرف وحقوق المرأة..

لقد كرم الله النساء في كتابه الكريم إذ جاءت إحدى سوره باسم (سورة النساء)؛ فهذا التكريم هو منحة وتكريم لهن من الله سبحانه وتعالى، وتوعية للمجتمع بأهميتهن وبحقوقهن وما لهن وما عليهن. ولذا فالمرأة هي جزء مهم في بنية المجتمعات - إذا لم تكن هي عمادها الأساسي -، ولقد كان أجدادنا يعرفون قدر المرأة ويضعونها في مصاف الرجال فنجدها تستقبل الضيف وتقريه وتقيم الموائد وتستشار في أمور كثيرة، كما كان الأقدمون يصطحبونها في المعارك لأمرين، أولهما هو الذود عنها في حمام المعركة، وثانيهما تلك الطاقة الكبيرة التي يستشعرها الرجل حين يذود عنها، وهذا أمر يطول الحديث فيه ولكن ردهات الكتب والمخطوطات تكفينا بالرجوع إليها.

ولم أكن أفكر أن أكتب هذا المقال عن المرأة وشؤونها رفيعة المستوى من قبل، إلا أن موضوع الاستيلاء على رواتب النساء بحجة المشاركة في المعاش وأمور الحياة في جميع بلادنا العربية لا يترك ذهني للحظة حيث إنه موضوع يلح على الذهنية بشكل مستمر.

في العصر الحديث وفيما توكله الدول - من اهتمام واضح للعيان - بالمرأة ورفعة شأنها وحصولها على حقوقها، فلم نعد في حاجة للندوات والحوارات حول وضع المرأة، وخاصة أنها أصبحت تتولى أعلى المناصب وتشارك الرجل في جميع المهام الوظيفية إيمانا من هذه الدول بمدى أهميتها وكيفية الاستفادة منها، وقد تسلحت بالعلم وبالمعرفة حتى أصبحت مؤهلة لتولي هذه المهمة أو تلك، ولكن يبقى أمر مهم وهو السماح لها بالعمل نظير الاستحواذ على مرتبها من قبل الرجل أو صاحب البيت، حتى وصل الأمر إلى أن هناك آباء يرفضون تزويج بناتهم ويعرضونهن للعنوسة للأهمية القصوى لراتبهن! وحينما سألت إحدى النساء أجابت: بأنه يكفيها أن تحقق ذاتها وترى نفسها في مصاف النساء ذوات المهمات الفعالة!

وفي هذا الزمن التاريخي الذي تنفتح فيه بلادنا العربية على العالم وبكل التطورات التي يجب أن تتطور معه ذهنية الرجل بألا تتم مساومتها على راتبها، أما السماح لها بالخروج للعمل، أو أن يصل الأمر إلى الطلاق وتيتيم الأطفال وتشرد الأسر؛ وهنا تقع المرأة بين حدين من هذا الصراع المجتمعي، الحد الأول هو تحقق ذاتها وإنجازاتها وإثبات أنها تستطيع أن تكون على قدر من المسؤولية والتكسب براتبها، والحد الثاني هو استقرار الأسرة والحفاظ على بيتها وزوجها.

ولعلنا في هذا الأمر نستلهم أمور ديننا الحنيف في أن للمرأة ذمة منفصلة لها مالها وعليها، ولكن تقع أموالها محمية بالعقيدة والدين وبالعادات والتقاليد أيضاً.

لم تكن الأعراف والتقاليد عند أجدادنا تسمح للرجل أن يستبيح مال زوجته بل كان يحافظ عليه ويدير أموالها وممتلكاتها بكل أمانة وبكل شرف خوفا على هيبته بين القبائل وفي مجالس الرجال، أما هذا السلوك الذي يرفضه العرف والدين فهو أمر مستوفد من عادات وتقاليد الغرب إذ أن على المرأة أن تتساوى مع الرجل في الإنفاق على المنزل، وهذا أمر ترفضه الأعراف ويتنافى مع صورة الرجل العربي الذي هو سيد البيت وحاكم الأسرة ورأس السلطة في البنية الاجتماعية كما حددها مثلث لوسيان جولد مان في النظرية الاجتماعية.

ويقول صلاح الجيماز حول الموضوع نفسه: "أقول لكل أب ورب أسرة لديه فكرة عمل برنامج مالي لينظم ميزانية الأسرة ليواجه به الغلاء المعيشي ويكون جزءاً من هذا البرنامج مشمول فيه راتب الزوجة بشكل دائم، فقد يعلم الزوج أن هناك ضعفاً في هذا البرنامج المالي الأسري وسيؤثر على استقرار الأسرة مادياً في زمن الأزمات الاقتصادية وفي البحث عن الحياة الكريمة للأسرة بشكل عام. في السابق، كان الرجل هو الذي يصرف على البيت والأسرة وتقوم المرأة برعاية الأسرة وتربية الأولاد، فكانت الأدوار واضحة، ولكن بعد خروج المرأة لسوق العمل وتخلي الرجل عن بعض واجباته الاجتماعية أمام الأسرة، وبالوقت نفسه بدأ الغلاء المعيشي في ازدياد ملحوظ مما يستدعي رفع معدل دخل الأسرة بشكل أسرع فتطلب ذلك دخول المرأة في جانب رعاية الأسرة مادياً بشكل قوي جداً في بعض الأحيان، ولكن تصطدم المرأة بالعادات والتقاليد الشرقية وبعض المفاهيم المغلوطة مثلاً: إن الزوجة راتبها ليس لها، أو أن الزوجة مجبورة على المساعدة مادياً للنهوض بالأسرة لمواجهة الأزمات المالية الأسرية".

وهنا يعزي كاتبنا ذلك إلى ارتفاع متطلبات المعيشة، وبذلك وضعها أمام تحديات الغلاء التي ليست من أمورها في شيء لأنها تتحمل أعباء المنزل وتربية الأطفال ورعاية الزوج وبذلك قد يفشل هذا التحدي لتعدد مستويات مهام المرأة والتي يضطر الزوج أن يأخذ راتب الزوجة نظير رضاه عن خروجها للعمل ونعتقد أن في ذلك رهان رخيص على مقدرات المرأة التي تعتبر ذمة مستقلة ليس لأحد كائنا من كان الاستيلاء عليها إلا برضاها تيمنا منها بمشاركة زوجها طواعية.

ومن هنا نستطيع القول: إن أغلب حالات الطلاق في مجتمعاتنا العربية ترجع إلى الخلاف على الإنفاق ومرتبات النساء، وبذلك أصبح مرتب المرأة (قنبلة موقوتة في استقرار الأسرة) كما عنونته أغلب الصحف في تحقيقات أجرتها في هذا الشأن، ونحن لا نعمم الأمر على كل الرجال المحترمين والحافظين للعرف وحقوق المرأة، إلا أنها أصبحت ظاهرة في مجتمعاتنا العربية تستحق الدراسة والبحث.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.062 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com