عبير العلي - جريدة الوطن السعودية - 24/02/2021ظ… - 1:15 م | مرات القراءة: 124


تبادر لذهني هذا التساؤل بعد أن قرأت إعلانا لأحد مراكز الوعي الفكري في إحدى الجامعات العريقة بالمملكة عن اعتزامه عقد سلسلة من المحاضرات التوعوية،

إحداها حول خطر «الحركة النسوية» على أمن المجتمع. وحتى لا يعتقد أنني أحاكم محتوى المحاضرة قبل عقدها، فإنني وجدت هذا التساؤل عن حقيقة وجود حركة نسوية في السعودية مشرعا أمامي ومشروعا، في ظل نمط جمعي وثقافي يبادر بتنميط الآخر، وقولبته وتصنيفه ضمن سياقات قد لا يدرك معناها ولا تاريخها أو حقائقها المجردة.

أخيرا، ومع انحسار لافت لاتهام الآخر بالعلمانية والليبرالية والتغريب، صعد مع حركة «تأميم المرأة» محليا مصطلح «النسوية»، وأصبح تصنيفا يأخذ انطباعا سلبيا في سياقه، والحكم به على من يُرى أنها «نسوية» ضمن محددات غير واضحة في تفاصيلها، إلا أنها تتقاطع مع فكرة التصنيف التي تقوم على محاولة إما التهويل أو التحجيم أو ابتكار مداخل جديدة لأهداف قديمة. وحتى نفهم معنى أن يكون أحدهم نسويا فنحن بحاجة لرصد تاريخي دقيق لهذا المصطلح: كيف وأين بدأ؟ وما أسباب وتحولات ظهوره؟ وكيف وصل إلى المجتمعات العربية والإسلامية؟، وما السياقات التي وظف فيها خارج الحقيقة المطلقة لأهدافه؟. تناول كل هذه التفاصيل يطول حديثا وتشعبا لا يحتمله أو يستدعيه المقام، ولكن يكفي أن أشير هنا إلى ثلاثة محاور رئيسة حول هذا الموضوع، وخاتمة لا بد من تأكيدها.

المحور الأولى: الحركة النسوية عالميا بدأت كمفهوم منذ عصور قديمة، اختلف حتى المؤرخون لها عن تحديد وقت انطلاقها بدقة، ولكن أُتفق على أنها تحت هذا المسمى مرت بأربع موجات، نعيش في موجتها الرابعة، الأكثر وضوحا في وقتنا الحالي.

حينما بدأت «النسوية» في موجتها الأولى كانت منطلقة من جانب إنساني بحت، ينادي بحقوق المرأة إنسانيا في مجالات التعليم والعمل والإصلاح الاجتماعي، ثم تزايدت هذه المطالبات بعد الحرب العالميتين، واضطرار النساء معها للخروج للعمل أكثر من قبل، فتوسعت الدعوات النسوية إلى ضرورة إشراك المرأة في الفضاء العام والسياسي خاصة مثل حق التصويت والمشاركة السياسية، حتى بدأت الموجة الثانية مطلع الستينيات لتؤكد هذا الحق بالذات، ومناهضة التمييز الجنسي وتعنيف المرأة فيما سواه من فضاءات اجتماعية وثقافية.

برز في تلك الفترة مصطلح «تحرير المرأة»، واستخدم أكثر من مصطلح «النسوية»، خاصة في الكتابات الأدبية والمسيرات والجمعيات التي تعقد لهذا الغرض، وانتقلت بهذا المسمى إلى الدول العربية (مصر والمغرب)، متخذة طابعا سياسيا واجتماعيا لم يتقبله المحيط العربي، خاصة في الخليج الذي كانت تتشكل فيه ملامح الصحوة التي جعلت قضية «تحرير المرأة» من أهم أولوياتها التي تحذر منها وتقاومها، وتخرج بها من الأهداف الأولى لـ«النسوية» إلى سياقات ينفر منها المجتمع ويخشاها، تتعلق بالعرض والعار. توالت الموجتان الثالثة والرابعة للنسوية في العالم الغربي منذ الثمانينيات حتى وقتنا المعاصر ضمن حركات لها أهدافها الحقوقية أو السياسية أو الاجتماعية، وفي كل نسخة منها تبرز بعض المطالبات النسوية المتجددة التي بعد أن انتهت من إحقاق الأولويات التي قامت عليها في موجتها الأولى ابتكرت مزيدا من المطالبات، خاصة فيما يتعلق بالانفصال الجنسي، التي تتفاوت في المجتمعات الغربية نفسها بين القبول والرفض، والإقرار بأهميتها أو أنها مجرد حاجات شخصية لا تمثل الفكرة العامة للحراك النسوي.

المحور الثاني: في عالمنا العربي، كما ذكرت أعلاه، انتقلت الحركة النسوية تحت مسمى «تحرير المرأة»، وهو ما جعلها تصل منذ الستينيات بهذا الاسم حتى مطلع الألفية مشوهة ومنقوصة ومعيبة، لأنها إما اُستخدمت لخدمة قضايا حركية وسياسية، أو لأنها استقبلت بطريقة نهمة من فئة من النساء المقموعات من الرجال ومن نمط الحياة الاجتماعي السائد في مجتمعاتنا، وأصبحت تتعامل مع قضية حقوق المرأة بطابع انتقامي من هذا المجتمع ومن الرجل. ولأن النمط الأخير هو الأكثر شيوعا في السنوات الأخيرة، حيث نجد بعض النساء المراهقات فكريا من تتعامل مع ما كانت تدعو إليه نساء أخريات من تمكين المرأة اجتماعيا وعمليا وحقوقيا بأساليب ساخطة، تهدف لاستفزاز المجتمع والخروج عن السلطة الاجتماعية والقانونية - شكل هذا النقص الحاد في الوعي بأهمية المطالبة بحقوق المرأة بتعقل، والتشويه المتعمد له، ثغرة في نسيج التماسك الاجتماعي استغلتها منظمات حركية خارجية في زعزعة الاستقرار الداخلي، وتشويه المكانة السياسية للمملكة، لهذا دائما ما نجد قضية حقوق المرأة في السعودية هي المشجب الذي تعلق عليه جميع الادعاءات التي تنال من المملكة، وتتهمها في جانب حقوق الإنسان عامة، والمرأة خاصة، ومن تقودها وتقوم بها نساء أطلقن على أنفسهن «الناشطات النسويات» أو «الحقوقيات»، وهن أبعد ما يكون عن الاحتياجات الحقيقية للمرأة أو الحرص على خدمة المجتمع إنسانيا واجتماعيا، ومن لم تكن تخدم في حراكها الساخط منظمات خارجية بعلم أو دون علم منها، فهي لا تخرج عن كونها مجرد كائن ساخط على ذاته ومجتمعه، وقدمت له فكرة النسوية مشوهة، تمارسها من خلال الدعوة إلى الانفصال الأخلاقي والعقدي، قابلتها فئة أخرى من المجتمع، نساء ورجالا، صورت كلا من تحرص على أن تمكين المرأة ونيلها حقوقها ورفع التمييز والعنف ذكوري والاجتماعي عنها على أنها «نسوية» في سياق التخوين والشتيمة لا غير.

المحور الثالث: شهدت الساحة السعودية حراكا كبيرا في تصحيح أوضاع المرأة السعودية وتمكينها اجتماعيا وحقوقيا وقانونيا، بدأ بوضوح منذ أن منحت المرأة عضوية في مجلس الشورى، وسمح لها بالمشاركة في الانتخابات البلدية، ثم فتح المجال لها للعمل في وظائف ومهن لم يسمح لها بالعمل فيها مسبقا، تبعه تصحيح كبير لقضية الولاية على المرأة بسن قوانين تتعلق بأحقية السفر والعمل والعلاج دون موافقة مسبقة من ولي الأمر. خلال السنوات الأربع الماضية بالذات، شهدت قضايا المرأة تحولا إيجابيا كبيرا في التمكين الحقوقي عبر حزمة تشريعات وأنظمة وممارسات ملموسة، حسنت من جودة حياة المرأة السعودية، وأخذتها لمساحات أعلى من الاستقرار والرضا، ولم يأت هذا التمكين إلا باستشعار القيادة بأنه كانت هناك بالفعل ممارسات متفاوتة تؤخر الجانب الحقوقي والاجتماعي والإنساني للمرأة السعودية، وهو ما أقره ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أخيرا حينما أعلن تطوير منظومة التشريعات المتخصصة التي كان من منطلقاتها الرئيسية عدم وجود إطار قانوني واضح للأفراد، تضرر منه الكثير، ولا سيما المرأة.

إذا، مصطلح «النسوية» في السعودية، ككثير من غيره من المصطلحات، ليست له صفة الثبات على معنى أو مفهوم أو سياق متفق عليه إلا ما شوه عن قصد أو دون قصد، لكنها - أي «النسوية» - لم تكن يوما حراكا منظما، له اعتباره داخليا أو خارجيا، وكل ما يدعى تهديد «النسوية» الاستقرار الاجتماعي هو محض تهويل من جيش قديم يحرس الأفكار التي تناهض تمكين المرأة ونيلها حقوقها، ولكن من باب «النسوية» هذه المرة.

ما يجدر الختام به هو تذكير الجامعات السعودية أن أدوارها أكبر بكثير من تدوير المصطلحات التي قد تهدم ما تسعى الدولة لبنائه في منظومة الحقوق والوعي والتمكين، وأن هناك العديد من القضايا الفكرية، التي لو ارتأت نقاشها على منابرها يمس الأمن الفكري، أكثر أهمية مما يطرح، بل أن الأهم هو تصحيح الأوضاع الداخلية فيها عمليا بحيث لا نتفاجأ أنها لا تساير الدولة تقدميا وتنويرا وطموحا علميا، فالمأمول منها أن تكون منارات وعي وتغيير علمي واجتماعي لا محطات يحرص على مغادرتها سريعا من يمر بها.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.056 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com