المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 09/04/2021ظ… - 7:46 م | مرات القراءة: 237


في ذكرى الشهادة أقف مع هذا العملاق المغبون في ما ذكرته في كتاب التغيير والاصلاح حول موضوع المرجعية المعيارية و قراءة الشهيد المفكر والمرجع الديني السيد محمد باقر الصدر لهذا الموضوع من عدة جوانب:

١.القاعدة الفكرية:

"إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية  والاقتصادية . فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع، وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الانسانية والاجتماعية . فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرساله التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة ".  

في مورد أخر يقول: " الأفكار التي تتكون منها كل حضارة ذات رسالة تخضع لمقاييس تلك الرسالة وتتجنب مناقضتها سواء أكانت مستنبطة منها أم لا ."  

وهو ما يوضح مسألة مهمة، أن منشأ المعرفة الغربية هو منشؤ حسي تجريبي أي مادي، بالتالي كل ما يترشح عنه يكون مبنيا على هذا الأساس، فالغرب يعتبر أن مصادر المعرفة البشرية هي الحس والتجربة فقط، وبذلك يكون افترق عن مصادر المعرفة الإسلامية التي تشكل الفكر الإسلامي بمصدرين مهمين هما العقل والنص.

فوضع الرسالة الموضع الرئيسي من التفكير الحضاري، إنما يعني محاولة التوفيق بين جوهر الرسالة وروحها وبين الأفكار الحضارية المتبناه . 

٢. مكونات المجتمع وعناصره:

 ويذكر أيضا الشهيد الصدر تصنيفا رائعا لعناصر المجتمع بين الغرب والاسلام في كتابه المدرسة القرآنية  ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر :

الأول: الإنسان

الثاني : الأرض أو الطبيعة على وجه عام

الثالث العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالأرض والطبيعة ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان

ويعتبر العنصر الثالث هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان:

الأولى:  صيغة رباعية

والثانية: صيغة ثلاثية

ـ الصيغة الرباعية: 

هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع، وهو بعدا رابعا للعلاقة الاجتماعية وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في إطار المجتمع وإنما خارج عن إطار المجتمع، وتعتبر هذا الطرف ـ  أي الصيغة الرباعية ـ  مقوما من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية ، وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف، والطرف الرابع هنا هو المُسْتَخْلِفْ أي الله جل شأنه.

ـ الصيغة الثلاثية 

صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة ، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع، 

فتجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع أي الله.

هذا التغييب بطبيعة الحال يغير من المثل الأعلى لكل جهة ، فالمجتمع ذو التركيبة الرباعية يكون الله مثله الأعلى  وهو مثل أعلى مرتفع، وعلى هذا يرتبط بكله معرفيا ومنهجيا بالله وصفاته ومنهجه، فيكون الله هو الأصيل والإنسان هو الوكيل، أي خليفة يترشح عنه الأصول ومستخلَف يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول، ليطور هذه القراءة في بعدها المتحرك بعقله وتجربته وفق سؤال الراهن وحاجياته وتساؤلاته وإشكالياته، أما المجتمع صاحب التركيبة الثلاثية التي غيبت الله، فالانسان هو محورها ومصادر معرفته محصورة وفق هذه الرؤية بالحس والتجربة، وهو مثل أعلى منخفض. وبالتأكيد نحن هنا نعمل على توصيف الحالة وليس تقييمها، لأن هناك نتاجات بشرية مهمة على هذا الصعيد.

وهذه النتاجات البشرية سواءً من الغرب أو غيرها، هي مصدرا معرفيا ثريا قد يندرج تحت عنوان التجربة البشرية التي تعتبر أحد روافد المعرفة البشرية في المدرستين الغربية والإسلامية، بالتالي لا يمكن التعاطي مع هذه المعارف تعاطيا أصما وكأنها لم تكن، وأيضا لا يمكن التعاطي معها بطريقة تسليمية لكل ثمراتها مع وجود فارق بنيوي مهم .ولا نستطيع أيضا أن نمارس الإنتقاء منها بشكل عشوائي ولا الترقيع بينها وبين رصيدنا المعرفي في الإسلام.

٣.المثل الأعلى:

إن التعاطي مع مخرجات الحضارة الغربية وأهمها الحداثة يكون من خلال الدراسة المنهجية المتأنية، فالأفكار القادمة إلينا نستطع أولا أن نعيدها إلى جذرها المعرفي، ومن ثم مقارنتها مع ما لدينا، فإن لم تتعارض مع أصولنا ورفدت فهمنا وفتحت لنا آفاقا لإعادة قراءة النص والتراث والإجابة على تساؤلات الراهن، فهنا نتعامل معها على أساس التلاقح والتبادل الحضاري والثقافي، وإلا تعاطينا معها على ضوء أنها رأي آخر لا يتطابق مع مكوناتنا الحضارية والثقافية، وبالتالي لنا ديننا ولهم دينهم ليكون المبدأ هنا احترام الذات من جهة واحترام الآخر من جهة أخرى، وتكون الندية الفكرية التعددية حاكمة كمعيار، وليس المعيار الإقصائي الإلغائي، فالاختلاف في المثل الأعلى هو اختلاف منهجي بنيوي في المرجعية المعيارية التي تنطلق منها عملية التأسيس للرؤى والنظريات، فبين المدرستين قاعدتا اشتراك: هما الإنسان والطبيعة  و دور الحس والتجربة في المعرفة ومصدريتها، إلا أن الاختلاف الجوهري هو في المثل الأعلى الذي يشكل محور التشريعات المعيارية كمرجعية كلية ضابطة وناظمة لعمل العقل وحافظة له من الانحراف والوقوع في وهم الحقيقة، وعدم القدرة على كشف الواقع، حيث المثل الأعلى المرتفع ( الله ) هو المشرع الأساس، ومن تشريعاته يمكن للعقل أن يستمد المنهج والمعايير والمقاصد لينظم رؤية ويؤسس لمشروع اجتماعي واقتصادي وسياسي بدرجة عالية من كشف الواقع، ودقة أكبر في الابتعاد عن الوهم. بينما حينما يكون ( الإنسان ) هو المثل الأعلى المنخفض وهو من يشرع لنفسه، "حيث يستمد تصوره من الواقع نفسه ويكون منتزعا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظرف وملابسات.. فلم يرتفع الوجود الذهني على هذا الواقع، بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده، وقيوده، وشؤونه" .  وهو من يضع المرجعية المعيارية فلا يمكننا هنا أن نثق بموضوعيته وتجرده وصراعاته الداخلية وتغليبه لمصالحه ومنافعه وتفاعلاته مع المحيط وانفعالاته وعدم شمول رؤيته، وهو ما اتضح منذ عصر التنوير إلى اليوم، لأن كثيرا من النظريات والآراء يمكن تصنيفها على أنها ردود أفعال على العهد الكنسي و تداعياته الفكرية والسياسية، وتفاعل المفكرون الغربيون مع التطورات المحيطة بهم وانفعالهم بها. " ومن نافل القول إن تيار الأحداث في التاريخ الغربي اندفع بشكل أدى إلى هيمنة الفلسفة الإنسانية (Humanism)  وسيطرتها على جميع  أركان المجتمع. فبعدما غابت شمس آخر يوم من أيام القرون الوسطى، انصب اهتمام كل الحركات الاجتماعية الكبرى والمصيرية منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر، ومنها حركة الاصلاح الديني  وحركة التنوير والحركة العلمية والثورة الصناعية والثورات السياسية وغيرها، انصب اهتمامها على إحياء دور الإنسان الذي تم تجاهله طيلة العصور الماضية، ليستعيد دوره المنسيّ، وليتربع على الكرسيّ الذي طالما نحي عنه من دون وجه حق. وكان الشعار الوحيد و المشترك " استقلال الإنسان" يمثل القاعدة الصلبة التي بني عليها أساس نبذ الاستبداد السياسي ورفض التقاليد الدينية وإنكار الحدود التي تقيد العقل، والتأكيد على الإرادة واختبار الأساليب الحديثة والسبل الجديدة، والخوض في المجالات المجهولة.. وغير ذلك. ومن بين الانجازات التي قدمتها تلك الحركات الاجتماعية، تحرير السلطة من احتكار وهيمنة الأمراء، وتحرير المعرفة من غياهب الحصار الكنسي الذي كان مفروضا عليه، وفك الأموال من قيد الأثرياء والإقطاعيين، فكانت تلك الحركات كلها تؤكد على أهمية الإنسان ودوره الفعال" . 

ومن هنا يتضح الفرق الجوهري و الاختلاف البنيوي بين المدرستين، إلا أننا لا ندعي أبدا أن على مستوى التطبيق هذا الحاصل، فواقع المسلمين غالبا لا يعكس محورية الله ومرجعيته المعيارية، بينما واقع الغرب يعكس عمليا نظريته التي آمن بها وطبقها، فالإنسان هو محور ومركز التفكير والتنظير، وأدواته المعرفية هما الحس والتجربة، ليصبح واقعا عمليا متجسدا في كل مجالات الغرب الحياتية والاجتماعية ، بينما وقع العالم الإسلامي تحت نير الاستبداد والجهل والتآمر.فالإنسان في المدرسة الغربية هو المشرع وهو المعيار، وفي المدرسة الإسلامية المشرع هو الله . 

وبعد تسليط الضوء علي المرجعية المعيارية يمكننا الآن الإجابة على التساؤلات التالية: ما هو دور  القانون في الضبط الاجتماعي، وإحراز العدالة الاجتماعية واستقرار المجتمع؟ وهل القانون يكون ملهما للتغيير الاجتماعي أو هو سببا من الأسباب؟ ومتى يكون كذلك؟

ص ٣٧-ص٤١ من كتاب الاصلاح والتغيير للكاتبة



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.062 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com