الاستاذ كاظم الشبيب - 25/05/2021ظ… - 4:17 م | مرات القراءة: 84


يرجى عدم الحكم على مقالي هذا من فقراته الأولى... بل بعد الانتهاء منه... العنوان أعلاه هو الأقرب والمختصر والمباشر،

كما يبدو لي، للرواية الجديدة للكاتبة التركية - البريطانية المشهورة "إليف شافاك" بدلاً عن عنوانها الفعلي "10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب"، وإن كان للثاني وقع خاص به، الرواية الصادرة عن دار الأداب في طبعتها الثانية لعام 2020 . هي رواية لا تقل من حيث القوة والتشويق وجودة الحبكة عن رواياتها السابقة. بيد أن المختلف فيها أنها تتـناول أقل وأضعف وأفقر الشرائح الاجتماعية منزلة، وتخوض في دهاليز أقذر المهن وساخة، وتتـعاطى مع أنبذ الناس من حيث السمعة، عبر الشخصية المحورية للرواية "ليلى" التي أمست "عاهرة" وأصدقائها!!.  

على العكس تماماً من رواية الكاتبة "قواعد العشق الأربعون" التي كانت ذواباناً وانصهاراً في حب الله وعشقه كخالق رحيم، عبر الشخصيتين المتميزتين في روايتها (شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي)، ومن خلال سرد أدبي روحي وحب عرفاني، عبر روح الحب التي نُـفخت في الفصول الخمسة للرواية (التراب، الماء، الهواء، النار، والعدم)، على العكس من ذلك هنا، في روايتها الجديدة، نجد انعتاقاً وتحرراً من القيم والدين وتعرية للمجتمع والنظام، هي إبحار في عالم الشيطان، عالم اجتمعت فيه ستة شخصيات من هويات مختلفة، تركية، أفريقية، لبنانية، ومن أديان ومذاهب متعددة، إسلامية، مسيحية، ولا دينية. ومن بيئات اجتماعية متنوعة، ولكنها متشابهة من حيث المستوى المادي والأسري.   

عادت "إليف شافاك" للواجهة من جديد بهذه الرواية المتميزة التي دخلت عام 2019 في القائمة القصيرة لجائزة بوكر. هي رواية عن مدينة اسطانبول التي احتضنت خمسة أصدقاء من ذات البيئة الاجتماعية والثقافية للبطلة، فإذا كانت بطلة الرواية مومس، فأصدقائها: مغنية من الدرجة الأخيرة في سلم الغناء في الكبريهات والملاهي الليلية، الثانية متحولة جنسياً من الذكورة إلى الأنوثة، الثالثة عاهرة، الرابعة منظفة وخادمة في بيت دعارة، الخامس هو صديق طفولة للبطلة يعيش في دنياه بوجهين متناقضين. هم مجموعة تمثل طبقة الفقراء والمنبوذين والضحايا.  

أجادت الكاتبة ونجحت في تأكيد وتبيان حقيقة كون شخصيات روايتها، بأنهم مجرد ضحايا تشدد أسرهم وتزمت مجتمعاتهم، ضحايا غياب الحواضن الرسمية الحافظة للمجتمعات، ضحايا الفهم المغلوط للدين، ضحايا العادات والتقاليد، ضحايا المتاجرين بالبشر، ضحايا القوانين والفساد في الدولة. لم تبرر أفعالهم مطلقاً، ولم تمدح أنشطتهم، ولم تعمل على تسويق سلوكياتهم، بقدر ما كشفت تسلسل تراكم الأسباب التي  أوصلت كل شخصية للقيام بذلك الدور أو ممارسة ذاك النشاط.  

هي رواية، في بيئتها وثقافتها، وعلى مدى 478 صفحة، تشرح وتُـشّرح مدينة أسطانبول، المتناقضة في كل التفاصيل. فمن الواضح أن الكاتبة تتصدى بشكل غير مباشر، بواسطة الرواية، للقانون التركي، الذي يجيز وجود المواخير ويقنن عمل بيوت الدعارة. هي محاولة لتعرية النظام بصورة أدبية. هي محاولة لمعارضة النظام في صيغة روائية. لم تقل كلمة واحدة تحرض على النظام، ولكنها تلعن القوانين، تفضح التناقضات الحادة في حياة مدينة حضارية، هي همزة الوصل بين قارتي أوربا وأسيا.   

لمن تستهويهم قراءة الأدب الروائي، ويجذبهم السفر الافتراضي لفهم الثقافات والبلدان والمجتمعات الآخرى، لمن يستطعمون فهم الطبيعة البشرية، ويفرحون بالاستبصار في استيعاب تقلبات الإنسان وتحولاته، من باب "وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ"، أقول اقرؤوا هذ الرواية. 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.07 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com