الاستاذ كاظم الشبيب - 30/05/2021ظ… - 4:36 م | مرات القراءة: 79


لا تكره الأم أطفالها، فإن فعلت فهي متمردة على طبيعتها البشرية. من طبيعة الأمومة الإنسانية أن يكون حب الأم لأبنائها أظهر من حب أبيهم لهم لفطرتها وعاطفتها تجاههم بسبب غريزة نشوة الحمل فيها.

الخروج على الطبيعة في الحب والكره يعني إنحرافاً بحاجة إلى معالجة. أن يكره المرء أخوانه هو أمر فيه خروج على الطبيعة لأن رابطة الأخوة بالدم تـفترض وجود المحبة بين الأخوان. أيضاً، من الطبيعي أن يتعايش المرء مع شركائه في الحياة، وربما يحبهم، أما كراهته لهم فهو الأمر غير الطبيعي. كذلك الحال مع جيرانه، زملاء الدراسة والعمل، شركائه في الحي السكني، شركائه في الهوايات والتخصصات، شركائه في الوطن والمواطنة، شركائه في السفر، شركائه في كل مفاصل الحياة. أما كره هؤلاء الشركاء فهو إعوجاج يحتاج إلى مراقبة النفس من أجل تقويمها.  

فإذا كنا لا نحب بعض من هؤلاء الشركاء، ولا نكرههم، فنحن في مرحلة فتور المشاعر تجاههم، حينها تكون المشاعر محايدة، لا تبلغ الحب ولا تبلغ الكراهية. هي ما يسميه الفيلسوف داريوش شايغان بــ "فتور الهوية غير المحددة". فقد يكون بقاء تلك المشاعر على حيادها أمر مقبول، ولكنها في الغالب لا تكون كذلك، بسبب أن العلاقات الإنسانية فيها أخذ ورد، فعل ورد فعل، أمور مثيرة نتعرض لها فتفعل الإثارة فينا وتأخذنا نحو الحب أو نحو الكراهة.  

نحن دائماً نميل إلى تصنيف الناس وفرزهم منطلقين من المضمرات التي شكلتها أفكارنا وعاداتنا وحياتنا، حتى وإن لم نتفوه بها. هي مضمرات في وعينا ولا وعينا، في وعينا الملموس ووعينا غير المرئي، وبالتالي هي تشكل معاييرنا في فرز وتصنيف الناس، وهنا تكمن الخطورة عندما تكون معاييرنا مشوهة أو خاطئة، ونظن أنها سليمة. وربما تكون معاييرنا المضمرة هي مجرد أنصاف مقاييس، التي يقول فيها داريوش شايغان: "إن أنصاف المقاييس هذه تميز جيداً شخصيتنا الممزقة حيث تبقى الحداثة والقدم، السلطوية والديموقراطية، التقدم والتراجع، معلقة في كتلة هلامية من المضمرات.*١ 

المثال التالي ربما يوضح جزء من صورة تلك المضمرات: أن مفهوم البقرة يختلف بين الفرد الذي ينتمي لجماعة الطائفة الهندوسية، وبين الفرد الذي لا ينتمي لها، مع أن لون وحجم ورائحة وسلوك البقرة هو هو بالنسبة للفردين، أي أن المثير واحد والإثارة واحدة بالنسبة لهما، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تكوين صورة عقلية واحدة في ذهن كلا الفردين، غير ان جماعة الطائفة الهندوسية قامت في مرحلة سابقة بتشكيل الصورة العقلية للبقرة، عن طريق إضافة بعض المفاهيم التي تدخل في تشكيل هذه الصورة، المفاهيم التي تؤدي لتقديس هذا الحيوان واحترامه. وهذا لا يعني أن الفرد الآخر لم يستعن بجماعته في تشكيل صورة البقرة داخل منظومته الإدراكية، أبداً، غاية ما في الأمر أن أثر الثقافة الهندوسية في إعادة إنتاج صورة البقرة أوضح.*٢ 

من أجل أن نأمن من شرور مضمراتنا وتصحيح معاييرنا، نحتاج إلى مراجعتها بجهد مركز. بيد أن بعضنا سوف يستصعب ذلك، لأن هذه العملية فيها مواجهة ساخنة مع ذواتنا المتمسكة بما تأسست عليه وألفته طوال حياتها. فهل نقوى على ذلك؟، ربما. فنحن بحاجة إلى عادة جديدة أسمها حب جميع الناس وتمني الخير لهم: في المقطع المرفق ما يفيد ذلك: لا تكره الناس فهذا مضر بصحتك، عدنان إبراهيم: 


*١ أوهام الهوية، داريوش شايغان ص 76 و81.

*٢ المواطنة والهوية الوطنية، ص 138، نخبة من الباحثين.

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.087 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com