المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 31/05/2021ظ… - 6:30 ص | مرات القراءة: 106


وبذلك أسس الإمام الحسين عليه السلام صلة الإنسان بالإسلام المكافح في سبيل رفع الظلم وتحقيق العدل بين الناس جميعا دون تمييز،

لا بالإسلام من خلال مؤسساته الرسمية الحاكمة، والتي تمثلت بارتباطها بمعاوية وبعده بيزيد. وهذا يعني أنه طالما هناك تمثلات للسلطة تشبه تمثلات معاوية ويزيد فيها، فالإنسان عليه أن يرتبط في حراكه بمنهج الحسين عليه السلام، والابتعاد عن الارتباط بسلطة كهذه أو محاباتها، بل عليه أن ينتهج مبدأ المعارضة والعين الناقدة، التي تتخلى عن كل مصالحها لتحقيق العدالة ورفع الظلم، وعندما تتمثل السلطة بما أراده الحسين عليه السلام وتحقق العدالة، فلا ضير بمساندتها ودعمها دعما ناقدا ومصححا لمواطن الخلل، ومؤيدا لمواطن القوة والحقيقة.

أي أن عدم الوصل مع الإسلام المتصل بالسلطة ليس على إطلاقه، بل ذلك الشكل الذي تتمثل فيه نموذج سلطة معاوية ويزيد. وهنا تتمثل لدينا عقلنة الثورة من خلال عدم إطلاق العنان للثورة المطلقة، بل بالنظر للنموذج السياسي الذي تمثله السلطة، فإن كان نموذجا شبيها لمنهج معاوية ويزيد، فإن هذا التطابق في المنهج والأدوات ستكون انعكاساته شبيهة إلى حد كبير لتلك التي حدثت في واقع المجتمع في عهد يزيد، بالتالي لابد هنا من الثورة لمواجهة هذا الفساد، وهذا يتطلب إدراكا واقعيا لمعطيات الزمان والمكان، وللقدرة على قراءة الظروف الاجتماعية والسياسية ومآلات الفساد على الواقع الاجتماعي، وإمكانيات الثورة أو الإصلاح التدريجي، إلا أن الأصل هو ضرورة المواجهة والتغيير، لذلك قد تحقق السلطة العدل وتنتهج مبدأ يحقق كرامة الإنسان فيتصل بها ويتعاون معها النخب تعاونا تكامليا، ولكن في حال انحرفت أو انقلبت فهنا تصبح الثورة والتغيير ضرورة حتمية كخيار واقعي.

فثورة الحسين عليه السلام ذات طابع شمولي، ليست ذات طابع عائلي أو أسري أو طائفي، فالثورة وقعت لتأكيد حقائق غير مرحلية، لا تخص زمانا ومكانا بعينه، فهي جاءت لتؤكد على حقائق خالدة عابرة للزمان والمكان، وعابرة للمذاهب والطوائف، وممتدة في مستقبل الزمان والإنسان، كما هي ذات جذور عميقة في ماضي الإنسان والزمان وحاضرهما.

وهذا لا يعني أبدا أنه تحت ضغط الجور والقهر، فإن خيار الإنسان الوحيد هو الثورة والعنف، والتغيير المفاجئ للعالم، وأنه رغم عظم قوة السلطات فإن الحل الوحيد هو التغيير الثوري العنيف، بل إن الانتقال للثورة يتطلب تشخيصا وآليات دقيقة، حتى لا تتحول الثورة على الجور والظلم إلى وسيلة للجور والظلم، وبدل تغيير الحال للأفضل، يتغير للأسوأ. 

فإرادة الثورة السريعة كسرعة النظام، وتصور ارتباط الثورة السريعة بقرب الاكتمال البشري هي مغالطة كبيرة، لأنه لا بد للبشرية من قطع الكثير من المراحل، ولا بد لكثير من العقد أن تحل، فلا كل ظرف سياسي ضاغط هو ظرف يتطلب تغييره الثورة، ولا كل ظرف سياسي ضاغط يحتاج إلى السلمية والمرحلية في التغيير، فالمسألة متعلقة بتشخيص الظروف والمعطيات، وقراءة الواقع والمآلات، ورمزية الثائرين ومدى تأثير ثورتهم في الوجدان الشعبي، وتحقيقها لغاياتها المعنوية قبل المادية، لأنه بدون بعد معنوي وروحي فإن الحال سيتجه بنا نحو التوحش والهيمنة، وهذا ما ميز ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وأكسبها ديمومة واستمرارية، في كونها ركزت على المعنى والوجدان رغم عدم تحقق النصر بالمعنى المادي، وركزت على البعد المعنوي والروحي في أبعادها التغييرية بعد إهمالها للجوانب المادية، لكن الغلبة في أبجدياتها كانت للمعنى والبعد الروحي.

فالقضية الحسينية رأس حربة التغيير والإصلاح في تاريخ طويل من النضال المتلاحق في سبيل قضية الإنسان بشكل عام والإنسان المسلم بشكل خاص، وقد كان في كلمات الحسين عليه السلام ما يؤسس لخلود ثورته وتحقيقها للنصر عاجلا أم آجلا، حيث قال حين خروجه من مكة: "أما بعد، فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح".  إن الزيارات المذكورة للإمام الحسين ع في الكتب المأثورة والموثوقة تؤكد غالبا على حقيقة مهمة جلية هي: "جعل الثورة الحسينية بما هي ممارسة للإسلام ولمبادئه جزءا نابضا بالحياة في الوجدان، موحيا بشتى المعاني المناسبة له في الحياة اليومية". 

فظاهرة الاحتجاجات هي ظاهرة عابرة لمختلف النظم، سواء النظم الديموقراطية في عصرنا الحالي أو غير الديموقراطية، ولكنها عادة ما تؤدي في الأولى إلى تطوير النظام ولفت انتباهه إلى ثغرات ومظالم اجتماعية أو تكريس تهميش اجتماعي لفئات وأقليات غير ملتفت إليها، تهميشا سياسا يؤدي بعد ذلك إلى تحسين أدائه وتجديد أو تطوير نخبته السياسية. أما في الثانية فإنها تكرس، وربما تعمق، أزماته، لأنه عادة ما يعجز عن الاستجابة لمطالب المحتجين السياسية، خاصة مع تراكم الفساد، وغياب قانونية المعارضة لوجود حالة أحادية سياسية تمثلها السلطة، بالتالي ميل الكفة الأمنية على حساب كفة الاستقرار السياسي.

 إلا أنه وتحت ضغط الخوف على استمراريته يستجيب لبعض المطالب الاجتماعية عن طريق تغيير في بنية العلاقة بين النظام والمحتجين، ويعمل على التحايل عليها، فهو يلبي جانبا لامتصاص حالة الغضب والشعور بالغبن والظلم، إلا أنه يرفض جوانب كثيرة وخاصة المهمة والمحورية منها في عملية الإصلاح وتحقيق العدالة، بصورة لا تجعله في كل الأحوال قادراً علي الاستفادة منها من أجل تطوير نظامه السياسي وتحقيق مزيد من الانفتاح السياسي، الذي يستطيع من خلاله تحقيق استقرار سياسي على المدى البعيد.

المصدر : ١٦٢-١٦٣



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.114 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com