المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 20/08/2021ظ… - 8:45 ص | مرات القراءة: 131


يقول وليام جيمس (١٨٤٢م – ١٩١٠م) " إن الدين يحدثنا عن أمور يستحيل إدراكها ابتداء على العقل والعلم. لكن هذه الرموز- التي حدثنا عنها – دفعت العقل إلى أن يبحث ويحقق ومن ثم توصل إلى نتائج باهرة".

الغيب يعني الخفاء، ماوراء الستار، أي هو الشيء الذي غاب عن حواسنا، وخرج من دائرة الإدراك الحسي. "فالإيمان بعالم الشهادة لا يتطلب أكثر من الحواس، وتسمية هذا العالم بعالم الشهادة تنطلق من كون هذا العالم محسوسا ملموسا. من هنا لا نحتاج إلى مرشد يوجهنا للإيمان بهذا العالم، بل نحتاج إلى معلم يهدينا سبل البحث والتحقيق، لنتعرف أكثر فأكثر علي حقائق هذا العالم (عالم الشهادة). غير أن هذه الحواس قاصرة عن عالم الغيب، وهنا تبدأ وظيفة العقل – وهو المرحلة الغيبية من وجودنا – في إدراك هذا العالم المجهول، بل لعل الاطلاع على هذا العالم يتطلب قوة إدراك أكثر خفاء من العقل."  

وجاء الأنبياء كهداة لدعوة الناس للإيمان بهذا العالم، وهو عالم ماوراء الحس، فلم يكتفوا بدعوة الناس للإيمان بهذا العالم والاستفادة من هذا المدد الغيبي، بل قاموا بعمل رابطة بينهم وبين الغيب. 

فالغيب هو الإطار الذي تتحدد به حواسنا في إدراكها، فالموجودات تنقسم إلى موجودات محدودة وأخرى غير محدودة، والسبب في خفاء الغيب يرتبط - كما يقول الشهيد مرتضى مطهري - بقدرة حواسنا على الإدراك، لا يوجد مانع وحاجز بينه وبين جهازنا الحسي والإدراكي.

فالإخبارات الغيبية التي جاءت ورويت عن رسول الله ص عن عدة من أصحابه بشكل يفيد الاطمئنان للصدور حول قضية كربلاء، واستشهاد الإمام الحسين ع، وعما سيحدث في المستقبل، قد يراها البعض مسار جبري على الحسين ع ولا خيار له دونه، بالتالي الغاية الوحيدة من هذا الاخيار هو الاستسلام للشهادة، والتعبد بهذه الإخبارات النبوية، بالتالي يتم تقديم تفسير لكربلاء وشهادة الإمام الحسين ع، على أساس هذه الاخبارات الغيبية وضرورة التعبد بها، وأن الحسين ع خرج لمواجهة يزيد لأجل أن يستشهد تعبدا بإخبارات النبي له.

إن يد الغيب تتجلى أحيان – كما يرى الشهيد مطهري – بصورة تهيئة الظروف المناسبة للتوفيق، وأحيانا بصورة هداية وتفتح ويقظة، ولكن الذي يؤكد عليه مطهري هنا أن المساعدات الغيبية لا تأتي عبثا بدون مقابل.

فالإمداد الغيبي يتطلب القيام وبذل الجهد والسعي والحركة، لكن أيضا هذا القيام مقرونا بأن يكون خالصا لله وفي سبيله. وأن تتوافر فيه الشروط التي لا تخرج عن ناموس الكون وسننه، فالله أجرى ناموسه الكوني على أساس وجود سنن كونية يسير النظام وفقها، فالإمداد الغيبي والإخبار الغيبي، هو كشف ضمن منظومة سنن، توافرها يحقق النتيجة، فالنصر الإلهي مقرونا ومشروطا ليتحقق، وشروطه تتضمن القيام والسعي وبذل الجهد والإخلاص لله والسير في سبيله، وإن لم تتوافر هذه الشروط فإن النصر والمدد الغيبي لن يتحقق.

ففي واقعة بدر الكبرى توافرت الشروط التي حققت النصر، ومنها طاعة النبي ص، ولكن في واقعة أُحُد لم يتحقق النصر لأن الشروط لم تتوافر وأهما طاعة النبي ص.

والروايات الكثيرة التي تحدثت عن استشهاد الإمام الحسين ع، وعن واقعة كربلاء، من وجهة نظري هي لا تكشف عن غيب فقط، بل هي ترسم معالم المواجهة مع طاغية بشكل يزيد، فمواجهة النبي ص كانت مع المشركين، فهي كانت مواجهة بين الشرك والتوحيد، بينما مواجهة الإمام الحسين ع شبيهة بمواجهات والده الإمام علي ع، هي مواجهات داخلية بين إسلام محمد ص، والانحراف الذي أسس لإسلام السلطة وفق معطيات انطلقت من روح الشرك والنفاق، وحولت الإسلام إلى طقوس عبادية ظاهرية حافظت عليها، لتخدع وعي المسلمين، لكنها عملت جاهدة على تفريغ الإسلام من روحه وجوهره ومقاصده. 

فوعي المسلمين كان ناضجا وغضا وطريا، والجيل كان جيل عايش النبي محمد ص وتعلق به عاطفيا، ولكن عملية إعادة بلورة إسلام السلطة الأموية تطلب عقودا من الزمن، طُرِحت فيها شبهات كثيرة، وترعرع فيها أكثر من جيل، تمت صناعة وعي وذاكرة جديدة له، واستطاع معاوية تحت التهديد والترهيب من عمل انقلاب جوهري لدى عموم المسلمين، ولأنه أسس إسلاما خاصا في الشام، وصنع ذاكرة المجتمع الشامي بطريقته، فقد استقر حكمه فيها، ومنها انطلق للهيمنة على باقي أقطار المسلمين.

لذلك كان حجم الانحراف كبيرا جدا، وكانت الروايات تكشف عن مصير، لكنه من وجهة نظري مصيرا يؤسس لمنهج ومسار على المصلح أن يسلكه في حال وصل الانحراف بالمسلمين وبفهم الإسلام إلى مرحلة كمرحلة معاوية ويزيد. 

فواجه الإمام علي ع حتى قتل وهو في هذه المواجهة، وأكمل الإمام الحسن ع مواجهته مع حكم معاوية ومنهجه في ترسيخ إسلام جديد أموي، إلا أن الظروف السياسية وعدم توافر المقبولية والعزيمة لدى المسلمين في إكمال المواجهة، دفعت الإمام الحسن عليه السلام للقبول بصلح روج له معاوية دعائيا، وفرضه فرضا، والصلح معاهدة يجب الالتزام بها، وفرصة لإعادة بناء وعي المسلمين مجددا، وإزالة التشوهات التي حدثت في فهم الإسلام، قبل أن تتراكم وتتحول إلى واقع وحقيقة مزيفة. 

وقد عمد الإمام الحسن ع في هذه الفترة إلى إعادة البناء العقدي في وعي الناس على النهج النبوي واستشهد في نهاية المطاف على هذا الدرب، وحينما مات معاوية، وبدأ الحراك السياسي الأموي لأخذ البيعة ليزيد، تجلى هنا تكليف جديد وفق المعطيات الجديدة، هذا التكليف دفع الإمام الحسين ع لإكمال مسيرة المواجهة، بعد توافر الظروف، فمخالفة معاوية للعهد وموته عوامل منطقية وعقلانية وأخلاقية تعطي الذريعة القانونية للإمام الحسين ع لرفض البيعة، لأنه الأحق بها وفق المعاهدة ووفق الشروط اللازمة للبيعة، فالروايات التي تتحدث عن استشهاد الإمام الحسين ع، من وجهة نظري ترسم له خارطة المواجهة، بأن هذه المواجه عليها أن لا تنتهي بصلح، أو حوار، بل هذه المواجهة عليها أن تنتهي بالشهادة، أي أن الحسين ع يجب أن يفوت الفرصة لتكرار ما حدث مع الإمام علي ع في واقعة التحكيم، ومع الإمام الحسن ع في موضوع الصلح الذي فرض عليه، فإن كان التحكيم عطل إنهاء حكم معاوية، وإن كان الصلح مكنه من الحكم، فإن الحسين عليه السلام عليه أن يسشتهد إن تطلب الأمر لمنع بني أمية من مواصلة حركة تشويه الإسلام ورسم معالم جديدة له، تفرغه من روح التوحيد، وتكرس شرك من لون آخر، شركا ليس ظاهرا، وإنما يلبس ثوبا إسلاميا، يسمع للطغيان أن يستعبد الناس بفتاوي إسلامية رسمت وفق مقاسات معاوية. 

وقد وضح الإمام علي ع خطورة وجود بني أمية وفتنتهم على مشروع الاسلام، ولمزيد من التفصيل مراجعة الكتاب.

عقلنة الثورة وتأصيل النهضة

ص ٣٥٢ - ٣٥٥



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.061 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com