أثير السادة - 22/09/2021ظ… - 3:30 م | مرات القراءة: 129


يتخاصم الناس حول أشياء كثيرة في مطلع كل عام هجري، عندما يهل هلال المحرم، ويرتفع صوت قراء الحزن في أرجاء المكان، ولأن باب الخصومة ديني بالدرجة

الأولى، واجتماعي بالدرجة الثانية، وثقافي بالدرجة الثالثة، يصبح من المقدر عادة أن تتشعب دوائر الخصومة، وتتسع عناوينها، وهي في الغالب كاشفة عن طبيعة الأسئلة التي يعيشها المجتمع، وطبيعة التماوجات الفكرية والاجتماعية التي يحفل بها.

وكعادة العرب قديما،  إذا تخاصمت القبائل، يبدأ كل فريق برمي الفريق الآخر بالتهم، لنخرج من باب النقد إلى باب الهجوم، ومن باب الاختلاف حول مفردات عاشوراء، إلى الاختلاف في قيمة وماهية و وظيفة كل واحد في مشهد الخصومة، حتى لكأن المناسبة ليست إلا المشهد الخلفي لصراعات قائمة، يعاد تسخينها وتسعيرها في هذا الموسم من أجل إعادة التموضع، وتسجيل النقاط.

كل فريق ينظر للآخر باعتباره دسيسة الزمان، أو صاحب وجود طارئ في هذا المشهد، فرجل الدين الذي بسط يده ليغرف من مناهل العلم الحديث ليس سوى متطفل على أسئلة الحياة، والمثقف الذي يحمل فأسه ليقطع أشجار المتدينين ويراجع دفاترهم ليس سوى حاطب ليل، وهكذا حتى تنتهي لغة كل طرف إلى فخاخ وشباك ترمى على الطرف الآخر، فيما لغة النقد تتبلل بماء سوء الظن، وتصبح ضربا من الكر و الفر.

تابعنا كتابات جادة ناقدة لخطاب رجال المنبر، غير أنها لم تخل من تهكم وتقصد وتشفي أحيانا، كما تابعنا ردودا وتعليقات لخطباء انشغلوا عن معالجة الخطأ ومجادلة الفكرة بالرهان على التصعيد العاطفي والاتكاء على مراوغات اللغة، لنخسر مرة أخرى فرصة تعزيز مساحات الحوار الاجتماعي والثقافي حول شأن يتجاوز عنوان كربلاء ليطال عناوين كبرى تتصل بتكويننا الثقافي، ووجودنا الاجتماعي، ووعينا التاريخي، فعاشوراء تركت آثارها في يوميات الناس في هذه المنطقة وشكل تفكيرهم.

هنالك تحديات حتما تجعل من مسألة الحوار معقدة ، يتقدمها الهالة القدسية للحدث والمناسبة، قدسية يستتبعها احتشاد عاطفي لا يقبل بأن يرمي أحد حجرا في نهر الحزن، الأمر الذي يجعل من أي محاولة للتعرض إلى شكل المناسبة ومحتواها محل تشكيك في النوايا، وفي النتائج، ففي ذروة الانفعال العاطفي لقصص الحزن الكربلائي لا ينتظر الناس من يسألهم عن معنى الحزن وقيمته، هم في نشوة التعبير عن ولائهم وانتمائهم، وما عداه تفاصيل لا تمثل قيمة تذكر في حساب المناسبة.

النقد ضرورة، وحضوره بالأمس كما في اليوم سبب في فتح نوافذ جديدة للتفكير ، وإعادة التموضع، بعيدا عن المكابرة عند كل طرف، ثمة ما ينتجه هذا الضجيج، ويحدثه من تحولات،  تماما كما يصنع الزمان بأسئلته وإشكالاته التي تعيد دفة المشهد وتتسلل إلى متن الخطاب وشكله، كل ما نرجوه أن  يحافظ المتخاصمون على مسافة أخلاقية في هذه الخصومة، مسافة تكفينا الانشغال بصب الزيت على النار، وتهبنا الالتفات إلى مواضع الخطأ دون الانشغال بذات قائلها، فلا أحد معصوم، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة.


من صفحته الخاصة

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.057 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com