محمد العيسى - 26/09/2021ظ… - 7:15 م | مرات القراءة: 185


هل ينبغي أن يكون هناك حدٌّ أدنى من المؤهِّلات عند من يريد أن يرتقيَ المنبر ويخطبَ على رؤوس الناس خطاباً ذا طابعٍ ديني؟

أم أنه لا ينبغي أن توضع مثل هذه الشروط ويُترك المجالُ مفتوحاً أمام جميع مرتقي المنبر، طالما أن هناك جمهوراً يقبلهم أو يطلبهم أو يتزاحم تحت منابرهم؟

وقبل أن نسترسل في الحديث عن هذا الموضوع سأحاول أن أقسّم هذه المؤهِّلات إلى:

١- مؤهلات معرفية:

ما هو مستوى الخطيب المعرفي؟ ما هو مستوى تعليمه؟ وما هي الشهادات العلمية المعتبرة والمُعترَف بها التي حصل عليها؟ وكيف هو منهجه في استسقاء معارفه؟ وهل هو من الذين يأخذون المعارف والعلوم من مصادرها الأصلية المُعتبرة؟ أم أنه من ذوي الثقافة السمعية والالتقاطية، ممّن يصدّقون كلَّ ما سمعوه ممّن يثقون به أو كلَّ ما قرأوه ممّا وجدوه مكتوباً بين دفتّي كتاب؟ وما هو مستوى تحصيلهم واطلاعهم وأهليّتهم العقلية لفهم ما يسمعونه أو يقرؤونه في المجالات التي يطلّعون عليها ثم يتحدثون عنها؟

٢. مؤهلات سلوكية:

ما هو رصيد مرتقي المنبر من الأخلاق والسلوك الظاهر من تعامله مع أهل بيته ومجتمعه وفي محيطه؟ وهل هذا الرصيد كافٍ لكي يجعله مؤثراً على الناس إذا نصحهم ووعظهم؟

٣. مؤهلات خطابية:

هل يمتلك مرتقي المنبر القدرة اللغوية والتعبيرية لإيصال المعاني التي يريد إيصالها بسلامة (بلغة صحيحة تلتزم بقواعد اللغة العربية فلا ترفع المنصوب أو تنصب المرفوع مسبّبةً تلوّثاً سمعياً وأذىً نفسياً منفّراً للمستمع الحصيف، وبتعابير وجمل واضحة وسهلة الفهم وبتراكيب بلاغية جذّابة لأذن المستمع)؟ 

وإذا افترضنا أن مرتقي المنبر يملك كل هذه المهارات اللغوية التي تمكنه من إيصال معلومات جديدة للمستمع بطريقةٍ سليمة، فهل يمتلك القدرة على التأثير على المستمع وإقناعه بتبنّي أفكارٍ جديدة أو تحفيزه على سلوكٍ جديد؟ هل يمتلك مرتقي المنبر القدرة على حبك الموضوع بطريقة عقلية مبهرة أو بطريقة عاطفية مؤثرة لإحداث هذا النوع من التأثير على الأفكار والسلوك؟ وهل يمتلك الخطيب مهارات التحكم بالصوت ولغة الجسد وتوظيفها في إحداث هذا التأثير؟

٤. مؤهلات تحضيرية:

هل يقوم مرتقي المنبر بما يكفي من الجهد للتحضير لخطبته قبل إلقائها؟ هل عنده نية صادقة بأن يقوم بعملٍ مخلص يتجاوز فيه أهدافَه المادية (تقاضي الأجر على الخطابة) إلى تحقيق منفعة المستمعين وإفادتهم والتأثير عليهم بما ينفعهم؟ وهل عنده هدفٌ واضح من خطبته اجتهد في اختياره واجتهد في التحضير له؟ أم أن جل هدفه هو إمضاء الوقت وحتى لو كان بإلقاء سوالف متفرّقة قد تمتع المستمعين لحظيّاً ولكنها لا تضيف لهم شيئاً ذا قيمة؟ الخطيب المُخلص هو الذي يهتم بجمهوره ويحسب لهم ألف حساب، والذي ينعكس مستوى اهتمامه بهم بمستوى التحضير للخطبة المُعدّة لهم.

5. مؤهلات صوتية:

هل يمتلك مرتقي المنبر حلاوةَ الصوت والقدرةَ على الترنيم والإنشاد وأداء المقامات الموسيقية بمهارةٍ عالية يُطرٍب بها الأسماع ويرقّق بها القلوب فيفتح أبوابَ القلوب على مصراعيها ويُهيّج بها القرائح ويستل بها الدموع من العيون؟

هل نحتاج إلى أن يتوفّر عند من يريد أن يرتقيَ المنبر حدٌّ أدنى من هذه المقومّات الخمس أو غيرها قبل أن يُسمحَ له بأن يرتقي المنبر وأن يمارس من فوقه الخطابة والإلقاء والوعظ؟ أم أننا لا نحتاج أبداً لمثل هذا، وكل ما علينا فعله هو أن نترك الحكم لتصارع قوى العرض والطلب وأنّ الخطيب الذي يقبله الجمهور ويتزاحمون عنده هو الأجدر بارتقاء المنبر وبحيازة العدد الأكبر من المستمعين، وحتى لو أن كل ما يمتلكه هو كثيرٌ من حلاوة الصوت (5. مؤهلات صوتية) ولا شيء أو اليسير جداً من بقية المؤهلات؟

وإذا رضينا بأن يكون الحكم النهائي لذائقة السواد الأعظم من الجمهور، وحتى لو كان أكثر ما يجذبهم لخطيبٍ هي حلاوةُ صوته، فما هو مصير الارتقاء بمعرفة وعلم ووعي وضمير وسلوك وإنسانية الجماهير؟ وما هو مستوى الإحباط الذي سيصيب الخطباء الجادين ممّن يملكون نصيباً عالياً  من المؤهلات الأخرى (المعرفية والسلوكية والخطابية والتحضيرية)، وما هي المحفزات التي ستبقى عندهم لمواصلة جهودهم الحثيثة المدفوعة بنواياهم الصادقة؟

هل نحن مع مرور السنين والأيام نفعل شيئاً لإنصاف هؤلاء الخطباء المؤهلين الجادين وإعطائهم مكانتهم التي يستحقونها وإنصاف الجماهير بإعطائهم المعرفة الصحيحة التي يستحقونها؟ أم أننا لا نفعل شيئاً أبداً ولا نحرز أي تقدّمٍ في ذلك؟

ما هو الوصف الأبلغ لمسيرة الخطابة المنبرية؟

أنها كانت ترتقي بالوعي والسلوك الحقيقي للجماهير؟

أم أنها كانت تلبّي ما يطلبه المستمعون؟

أسئلة كثيرة ... قد تكون إثارتُها أبلغُ من أي جوابٍ عليها..


من صفحته الخاصة

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.093 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com