د . ليلى بيومي - 01/06/2007ظ… - 9:01 م | مرات القراءة: 1018


تتعرض المرأة المسلمة في حياتها لعقبات قد تُهدِّد حياتَها و وجودَها ذاتَه ، و لكنها أثبتت على مرِّ تاريخ أمتِنا أنها كانت على قدر المسؤوليّة دائماً ، سواءٌ في دورها العام في المجتمع المسلم ، أو في دورها الخاصّ كزوجة و أمّ .
فقد تُواجه الزوجةُ والأمّ مواقفَ شديدةً تجعلُها عائلَ الأسرة ، كأن يموتَ الزوجُ أو الأخُ أو الأب ، أو يغيبَ لأيِّ ظرْف ، و هنا تتحمَّل المرأةُ الأمانةَ والمسؤوليّة

و تؤكِّد الأرقامُ أن هناك نحوَ ‏20%‏ من الأُسر العربية تعولُها امرأةٌ إعالةً كاملة ، و هذه المرأة إمّا مطلقة ، أو أرملة ، أو زوجة لزوج عاجز عجزًا كاملاً عن العمل ؛ نتيجةً لمرض أو إعاقة‏ .‏ و يمكن تصنيفُها إلى شريحتيْن :

أولاهما : القادرةُ على العمل‏ .

والثانية : غيرُ القادرةِ على العمل ؛ لأسبابٍ قد تتعلق بالسِّنِّ أو الإعاقة‏ .

و هذه النسبة ترتفع إلى 33% في الأحياء الشعبية الأكثرَ فقرًا ، مما يُحمِّل ربّة الأسرة عبئاً فوق عبء : يُحمِّلُها إلى رعايتها لأبنائها و بناتها و تربيتِهم ، البحثَ عن لقمة العيش لها و لهم ، و أحياناً للزوج المريض ، و توفير متطلبات الحياة التي تزداد كلّ يومٍ صعوبةًً على صعوبة .

و تنتشر هذه الظاهرة في الكثير من دول العالم و هي في ازدياد ؛ إذ تتراوح نسبة هؤلاء النساء في أوروبا وأمريكا بين 20إلی 25% ، و في جنوب آسيا والدولِ الإفريقية تصل إلى 30% ، و في لبنان إلى 12% ، و في اليمن والسودان إلى 22% ، و في مصر إلى 20% ، و حسب إحصائيّات الأمم المتحدة فإنّ نسبة هؤلاء النساء في العالم كلِّه 9 ،42% من أُسَر العالم .

ظاهرة في العالم الثالث

و في بحث للدكتورة "هبة نصار" أكّدت أن مسؤولية النساء عن أُسرهنّ ظاهرةٌ منتشرةٌ في العالم الثالث بشكل ملحوظ ، و تصل نسبتُهنّ إلى واحدة من كل ثلاث نساء‏ ، و أنّهنّ يتركزْن في المناطق الشعبية الفقيرة‏ ، و غالباً ما يزداد عدد هذه النوعية من النساء إثْر التحوُّلات الاقتصادية التي تطرأ على البلاد الفقيرة ؛ إذ يصاحبُها ـ عادةً ـ نوعٌ من التفكّك الاجتماعي ، وانتشارُ الطلاق الذي يدمّر العلاقات الأُسَريّة ، و يؤدي إلى انخفاض دخْل الأسرة إلى النصف‏ .‏

و من ناحية أخرى : أكدت دراسة حديثة للأمم المتحدة أن كلَّ النساء مُعِيلاتٌ ، و هو ما يتناقض مع العُرف السائد في معظم المجتمعات ، من أن ‏الإعالة‏‏ حكْرٌ على الذكور ، حتى لو كان هذا الذكر لم يتجاوز (‏15)‏ عاماً من عُمُره‏ .‏

واستندت دراسة الأمم المتحدة في هذا الأمر على تتبُّعِها لدورة حياة العديد من الأُسَر في الدول النّامية بشكل خاصّ ، فكانت هذه الحقيقة ، و هي أنّ كلَّ النساء يمْرُرْن بمرحلة في حياتهن تكون الواحدة خلالَها العائلَ الوحيد لأُسرتها بسبب الطلاق ، أو الهجر ، أو عدم عدل الزوج بين الزوجات ، أو دخولِه السِّجن أو إهماله في الإنفاق على أولاده‏ .‏

كما أن مشكلة هذا النوع من النساء لا ترتبط بتوفير سُبُل الحياة الكريمة لهنّ و لأولادهنّ فقط ، و لكنّها تُفرز مشاكلَ عديدة أوّلُها اعتلالُ صحة المرأة‏ ؛ ففي أحدث دراسة لوَزارة الصحّة المصريّة ثبت أن ‏20%‏ من النساء المُعِيلات يُعانِين من أمراضٍ مختلفة ، كما أن ‏38%‏ من الأُسر التي على هذه الشّاكلة ، يضطرّ أطفالُها إلى الانخراط في مجال العمل ؛ لمساعدة الأمهات‏ .

ظروف تُضاعِف من حجم المعاناة

إنّ غياب المُعِيل المفاجئ يُحدث أزمةً اقتصاديةً واضحة ، تضطرُّ المرأةَ للعمل ، في سنٍّ قد لا يصلح للعمل أصلاً ، كما أنها في الغالب قد لا تملك المؤهلاتِ الكافيةَ للعمل ، من حيث اكتساب المهارات أو الشهادات العلمية المناسبة ، أو تعلُّم حرفةٍ معينة ، و بهذا يزداد الضّغط النفسيّ المعزّز بالشعور بالنقص مع الضغط الاقتصاديّ .

و يأتي العُرف الاجتماعي مضاعِفاً لهذه الضغوط ؛ فقد يرفض الأقارب عمل المرأة ، على أساس أن هذا العمل يمثّل انتقاصاً لهؤلاء و لسمعة العائلة والعشيرة ، الأمر الذي يجعل المرأة بين خيارين : إما الرضوخِ التامّ لهذه الأعراف ، و معناه ، الحرمان من الموارد الحياتيّة الأصليّة ، أو التمردِ ، الذي معناه ، زيادةُ الضغوط النفسيّة .

و أحياناً يقف العُرف مهاجماً لعمل المرأة ، خاصّةً و أن هناك محدوديةً للأعمال التي تمْتهنُها المرأة .

و مما يضاعف المشكلة أكثر فأكثر أن هذه الأعراف تستهْجِن ذهاب المرأة إلى المؤسسات الحكومية أو الأهلية ، التي تُقدِّم العون لهؤلاء النساء ، عبر القروض المادية أو التأهيل للعمل .

مثالٌ واقعيٌّ حيّ

" منى صالح " نموذجٌ فريدٌ ـ و كم هي النماذج الفريدة ـ يستحقُّ أن نتوقفَ أمامه طويلاً ؛ لنتعرفَ على قدرةٍ غيرِ عاديةٍ للمرأة المسلمة التي يُقدَّر عليها واقعٌ مؤلمٌ أو شديد الصعوبة ، سواء كان اجتماعياً أو سياسياً أو غيرَ ذلك .

فقد اعتُقل زوجُ هذه السيدة عامَ 1981م إثْر التوترات السياسية التي حدثت في مصرَ في ذلك الوقت ؛ إذ كان هذا الزوج ناشطاً إسلامياً ، و حدث الاعتقال بعد الزواج بشهر واحد .

كان الزوج متخرِّجاً لتوِّه من الجامعة و لم يعمل بعد ، و هكذا وجدت منى نفسَها بلا زوجٍ و لا عائلٍ و لا مستقبل ، خاصّة بعد أن حصل زوجُها على حكم كبير .

و حيل بين منى و زوجِها لفترة طويلة ، إلاّ أنه كان يُسمح لها بين الحين والحين أن تزورَه ، و ربما اختلى الزوج السجين بزوجته لدقائقَ كلَّ بضعة أشهر ؛ ليقدِّر الله بينهما ذريةً ، على الرغم من تلك الظروف ، والله غالبٌ على أمره .

و تبدأ رحلة كفاحٍ و صبرٍ طويلة ، مدتُها ستةٌ و عشرون عاماً . فعندما التقيْت بها أولَ مرة ، في منتصف الثمانينيات ـ و كنت قد التقيت بالمئات من أُسر المعتقلين ؛ لكي أكتبَ عن أحوالها ـ كانت منى مختلفةً عن الكثيرات ، فقد قابلتني بالرضا والتّرْحاب ، كأننا قد تعارفنا منذ سنوات ، فهي ممن يَألفون و يُؤلفون . صغارُها الذين أنجبتهم من زوجها ـ و هم أربعة أبناء حوْلَها ـ تحنو عليهم و تبثُّ فيهم معانيَ العزَّة و حبَّ الإسلام .

كان زوجُها قد بنى منزلاً متواضعاً في إحدى القرى ، و كان أهلُ زوجِها يسكنون بعضاً من طوابق هذا المنزل ، كانوا لا يهتمّون كثيرًا بأحوالها ، و كيف تعيش ، و هي لا تطلب منهم ما لا يُطيقون ، و كذلك أبوها و أمُّها قد طلبا منها في بداية الأمر أن تترك زوجَها ، لكنها تمسّكت به ، بل و كانت سبباً في تحوُّل قلوبهم جميعاً إليه بالحبّ بعد ذلك ، بل و طفِقوا يتردّدون عليه للزيارة ، و يساعدونها في بعض نفقات الأولاد بقدر متواضع ، و هي في كلِّ الأحوال راضيةٌ بأيِّ عطاء ، و لا تطلب من أيّ أحدٍ شيئاً ، مهما كانت احتياجاتُها ، فهي منذ البداية و حتى الآن ، كيَّفت حالَها على معاشٍ متواضع ، تحصل عليه من نقابة المهندسين ، قد لا يكفي لإطعام فرد واحد ، لكن لكونه معها و لقناعة أولادِها يصبح هذا الدخل كثيرًا ؛ لأنني لم أر أنها ـ طوال أكثرَ من عشرين عاماً ـ تبرمت من أية أوضاع مادية أو معنوية ، و لا تشكو مطلقاً ضيق ذات اليدِ ، كما تفعل الكثيرات .

و يموت الأبُ الذي كان يشاركُها رعايةَ أبنائها و يسألُ عنهم ، و تبقى لها الأمُّ ؛ لتقوم بدور الأب ، و لكن لم يُمْهلْها الأجل هي الأخرى ، و لقيت ربها ، تاركةً منى تصارع الحياة وحدَها ، بلا عائل و بلا مصدر للدّخل تنفق منه على أبنائها .

و زاد الأمرُ سوءًا عندما دبّ خلافٌ بين نساء المنزل مع بعضهن البعض ، فآثرت منى أن تسكنَ و أولادُها في دار قديمة و متهالكة لجدَّتِها ، كانت مهجورةً و مكونةً من حُجُرات بالطوب اللبِن في إحدى الحواري الضيقة .

لم يكن يتوفَّر لـ"منى" كل شهر إلاّ جنيهات معدودة ، وبالتالي فليس هناك أثاث وثير أو ثياب جديدة أو طعام شهي ، و لكن هناك الرضا والصبرُ والقناعةُ والتحمُّل .

بكت منى كثيراً ، و دعت ربَّها كثيراً أن يكون معها ، و ألاّ يُشمِّت فيها شامتاً ، و أغلقت بيتها على نفسها ، فلا يكاد يدخله أحد إلا أولادُها .

و قد تقبَّلت هذا الوضع بالرضا التام ، و هي التي تمتّعت في بيت أبيها بحياة رغِدة ، و هي في كل أحوالها تواظب دائماً على إعداد الطعام لزوجها و حملِه مسافات طويلة من خلال الحافلات العامة ، لا تُخلف له موعدًا ، ولا تعصِي له أمراً ، و تحرص على رضاه و تُظهر له كلَّ الودِّ والاحترام ، بل قد تبثُّ فيه السّكينةَ والطّمأنينة ، و ترعى له الصِّغار الذين صاروا أمثلةً نموذجيَّة للشباب المسلم الملتزم دينيّاً و خُلقيّاً .

ففي العائلة يقولون لها دائماً : إنه على الرّغم من وجود الأزواج والمال إلاّ أنها الأكثرُ حظاً من غيرها ، فالأبُ والأمُّ قد توفاهما الله و هما راضيان عنها ؛ لحسن خُلقها مع الجميع ، و كذلك زوجُها راضٍ عنها ؛ لحسن تبعُّلِِها له و قيامِها برعاية صغاره كأحسن ما أنت راءٍ راعياً .

أما الأولاد فيختلفون كثيرًا عن شباب هذا الجيل ؛ فـ"عبد الرحمن" قد أتمّ حفظ القرآن الكريم منذ الصِّغر ، و هو حريصٌ على القراءة والاطّلاع الدينيّ بعمق ، و تخرج في كلية الشريعة والقانون ، و يواصل دراساته العليا ، و"سارّة" ـ هي الأخرى ـ أتمت حفظَ القرآن الكريم ، و تحتلُّ المركزَ الأولَ بامتياز في كلية الدراسات الإسلامية ، ثم تزوجت بشاب متدين ، و أصرت أمُّها أن تخبره بظروف والد العروس ، فقال : إن ذلك يشرّفُه ، و "عبد الله" و "منة الله" ما زالا في مراحل التعليم العام ، و جميعُهم قائمون على طاعة والديْهم .

و في الأسبوع الماضي خرج الزوج ، بعد ستٍ و عشرين سنةً قضاها في مَحْبَسه ؛ ليرى أبناءه و قد رعاهم له الله و ربّاهم على عينه ، و ليتسلَّم من زوجته المَهمَّة ، و قد أدَّتها على خير ما يكون الأداء


العالم

التعليقات «1»

محمد ال السيد ناصر - القطيف [الثلاثاء 10 يوليو 2007 - 11:09 ص]
تهمنا مشكلتنا في القطيف أولاً
المرأءة مثابة من الله ومقدرة من رسول الله (ص) على فعل الخير .
والأمر الثاني أن في هذا الزمان ظهر الكثير من المثقفين والمفكرين ممن يعطون للمرءة جل الإهتمام ومكانة في المجتمع
ولاننسى أن هناك بعض الفتيات يرغبن في حياة الجهل والإبتعاد عن طريق العلم والتحصيل المدرسي والجامعي
والسلام

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.121 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com