سماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى - 10/10/2006ظ… - 8:54 م | مرات القراءة: 1619


الحديث عن علي (ع) في حجم الإسلام كله، لأنّ علياً كان نصاً إلهياً متحركاً، عاش للإسلام كله، وعاش مع الله بكله، وكان يقول للناس: "وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ "

  في رحاب الإمام علي

 الحديث عن علي (ع) في حجم الإسلام كله، لأنّ علياً كان نصاً إلهياً متحركاً، عاش للإسلام كله، وعاش مع الله بكله، وكان يقول للناس: "وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ " [نهج البلاغة: خطبة 136].

الحديث الأول: كيف هي آفاق علي (ع) مع الله؟

هناك كلمة للإمام علي (ع) يقول فيها: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله" [شرح أصول الكافي: ج 3 ص 83]، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء في الواقع الخارجي فيجب أن يكون قبل كل شيء في الواقع الشعوري لكي تتطابق الواقعيتان ولا يحدث أي انفصام بينهما، فقبل كل شيء لا بد أن نرى الله سبحانه ونستشعر بوجوده وقدرته وهيمنته ..

وهذه هي عظمة الإمام علي (ع)، أنّه كان دائماً مشغولاً بالله، حتى باع نفسه لله، ونزلت فيه الآية عندما بات على فراش النبي (ص) ليلة الهجرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، وكانت كل حياته لله سبحانه وتعالى.

وفي نص آخر يقول: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه وخلفه أو معه"، بحيث كان كل شيء في الدنيا من إنسان وحيوان وسماء وأرض، يمثل وسيلة من وسائل اكتشاف الله في داخله باعتبار سرّ الله في الداخل. وأنّ الوجود كله في كل مظاهره هو صورة تدلّ على الله:

(ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد)

إذا ما أمعنا النظر في آفاقه (ع) مع الله فهو كالتالي:

1 - لقد أحب الله كما لم يحبه شخص إلا الأنبياء والمرسلون، حيث يقول (ع): "فَهَبْنِي يا إِلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبِّي، صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلى كَرامَتِكَ..". هذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى ومشاهدة كرامته وقدرته، حباً له وشوقاً إلى ما عنده، وبأنّ هذا الالتذاذ ينبغي أن يبلغ من الدرجة على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من العذاب وحر النار، فلو فرض أنّ الإنسان تمكن من أن يصبر على حر النار فإنه لا يتمكن من الصبر على هذا الترك، كما تفهمنا هذه الفقرات أنّ هذا الحب والالتذاذ بالقرب من المحبوب المعبود خير شفيع للمذنب عند الله لأن يعفو ويصفح عنه.

2 - وكان (ع) يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل أوقاته عامرة بذكره وخدمته.. "حَتَّى تَكُونَ أَعْمالِي وَأَوْرادِي كُلُّها وِرْداً وَاحِداً، وَحالِي فِي خِدْمَتِكَ سَرْمَداً..". ولهذا فإنّ لدينا اليوم الطاقة والعمر، ولكنهما سينفدان يوماً ما، ولا نستطيع حينئذ أن نضيف حتى حسنة واحدة; "فإنّ اليوم عمل ولا حساب وإنّ غداً حساب ولا عمل" [الكافي: ج 8 ص 58]، فلنستثمر أعمارنا إذاً بكسب المزيد ولنحاول بلوغ المراتب المعنوية العالية بفعل المستحبات والمندوبات والتوجه إلى الله تعالى.

3 - ويطلب من الله أن يعطيه القوة لا ليرتاح بالقوة، ولكن ليخدم الله: "قَوِّ عَلى خِدْمَتِكَ جَوارِحِي، وَاشْدُدْ عَلى العَزِيمَةِ جَوانِحِي، وَهَبْ لِيَ الجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ، وَالدَّوامَ فِي الاتِّصالِ بِخِدْمَتِكَ".

4 - وكان (ع) يعتبر الحياة ساحة للسباق، يتسابق فيها كل إنسان مع الآخر إلى الله، لا إلى المال: "وأُسْرِعَ إِلَيْكَ فِي المبادرِينَ، وَأَشْتاقَ إِلى قُرْبِكَ فِي المُشْتاقِينَ، وَأَدْنُوَ مِنْكَ دُنُوَّ المُخْلِصِينَ، وَأَخافَكَ مَخافَةَ المُوقِنِينَ".

هكذا كان برنامج الإمام علي (ع) مع الله، ولهذا كان (ع) يعيش حالة فريدة مع ربه، بحيث كان لا يلتفت إلى النّاس من حوله أثناء عبادته.

من عمق هذا التفكير الدائم بالله انطلقت هذه الكلمة التي تدل على الأفق الذي اتّسع لعلي (ع) في رحاب الله: "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً"، أي لو انكشفت كل السماوات وكل الغيوب، فلن يتغير عنده شيء، لأنه عاش كل عمره وهو يبصر الله في كل شيء حوله. ففي دعائه يقول: "ولئن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار أني أحبّك" [مصباح المتهجد: ص 595]. فعلينا أن نحبّ الله ونوحّده في الحب كما نوحّده في الطاعة والعقيدة والعبادة، وبذلك نؤدي إلى الله حقه. فالذي لا يصلّي يظلم الله، والذي لا يصوم أيضاً يظلم الله، والذي لا يحج وهو مستطيع، والذي لا يؤدي الحقوق الشرعية والذي يظلم الناس ويعصي الله بشربه للخمر ويقامر ويزني...، هذا كله ظلم لله، لأنه يعصيه. لهذا يجب أن لا نكون ظَلَمَة لله سبحانه وتعالى عندما نعصيه، وهناك ظلم للنفس، وهذا أمرٌ ندمنه، فنحن نظلم أنفسنا ويُخيَّل إلينا أننا نخدمها، لأننا لا نعرف كيف نعدل مع النفس وكيف نظلمها..

ولذلك، عندما نريد أن نحب الإمام علي بن أبي طالب (ع)، علينا أن نحب الله، ونحبه في علي؛ لأنّه الإمام الذي "يحبه الله ورسوله"..

ومما ينقل في سيرة الإمام علي (ع) أنه كان في حرب صفين ليلة الهرير، عندما اصطدم الجيش مع بعضه البعض، واستفقدوا علياً (ع)، وعندما بحثوا عنه رأوه يصلّي بين الصفين، فاستغربوا، وقالوا له: يا أمير المؤمنين هل هذا وقت صلاة ونحن نخاف عليك؟

فقال (ع) لهم: علام قاتلناهم، إنّما نقاتلهم على الصلاة.

لذلك نرى بعض الناس يقولون نحب علياً (ع) ولكنهم لا يصلّون ولا يطيعون الله في ما أمرهم، وهذا عكس ما أراده الإمام علي (ع)، فقد أرادنا علي أن نحبّه لنحب الله سبحانه.

وفي هذا يقول الإمام الباقر (ع): "حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ عَلِيّاً وَأَتَوَلاهُ ثُمَّ لا يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالاً، فَلَوْ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ (ص) خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ (ع)، ثُمَّ لا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ وَلا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً ... مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ وَمَا تُنَالُ وَلايَتُنَا إِلا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ" [الكافي: ج 2 ص 74، وأمالي الصدوق: ص 625، وأمالي الطوسي: ص 735]. يعني الورع عن محارم الله، وهذا هو خط الاستقامة.

الحديث الثاني: وصايا علي (ع) الأخيرة:

في التاسع عشر من شهر رمضان، وفي محراب المسجد الجامع بالكوفة، ضرب عبد الرحمن بن ملجم الإمام أمير المؤمنين (ع)، وهو يصلّي في محرابه. وبقي الإمام (ع) ثلاثة أيام وهو يعاني من جرحه، حتى كانت شهادته في الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك.

في هذه الأيام الثلاثة العصيبة على الأمة أراد الإمام (ع) أن لا يحرم أمته من وصاياه، فلم تشغله جراحاته عن التفكير في شأن الأمة، لكي يربطها بالله، ويربطها بكلّ القواعد الأساسية في علاقاتها مع بعضها البعض.

لقد كان (ع) يرسل وصيته في آخر لحظات حياته لولديه الحسن والحسين (ع)، باعتبار أنهما المسؤولان من بعده عن رعاية أمور المسلمين، ولجميع ولده ولمن بلغه كتابه. فكل من بلغه كتاب علي (ع) في وصيته تلك لا بد أن يتحمل مسؤولية هذه الوصية لينفذها على نفسه وعلى مجتمعه، لأنّ هذه الوصية هي أمانة علي التي حمّلها لكل المسلمين في كل الأجيال. فالمقصود بهذه الوصية الأمة الإسلامية.

قال (ع) في هذه الوصّية: "أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَلا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا، وَلا تَأْسَفَا عَلَى شَيٍْء مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا، وَقُولا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلا لِلأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً، أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (ص) يَقُولُ: صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ.

اللَّهَ اللَّهَ فِي الأَيْتَامِ فَلا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ لا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ لا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ" [نهج البلاغة: خطبة 157، والكافي: ج 7 ص 51، من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 189، والتهذيب: ج 9 ص 176].

المبدأ الأول: تقوى الله:

قال (ع) "أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَلا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا، وَلا تَأْسَفَا عَلَى شَيٍْء مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا".

أن تراقبوا الله في كلّ شيء، وأن تعملوا على أن تحسبوا حساب الله في كل شيء، وأن لا تطلبوا الدنيا حتى لو جاءت الدنيا لتقديم نفسها إليكم، ولا تأسفوا على شيء منها زوي عنكم. على الإنسان أن يعتبر من أنّ الدنيا حسب طبيعتها تعطيه شيئاً اليوم وقد تسلبه إيّاه غداً، وقد تعطيه شيئاً من جانب وتسلبه إيّاه من جانب آخر، فعندما يخسر شيئاً من الدنيا فإنّ عليه أن لا يعيش روح الأسف والألم والحسرة على فوات ذلك. فعلى الإنسان أن يتقبّل الدنيا بشكل طبيعي، بحيث لا يفرح بما آتاه الله من الدنيا، ولا يأسف أو يتألّم على ما فاته منها، بل يتقبّل ما أتاه من الدنيا بشكل طبيعي، ويتقبّل أيضاً ما خسره منها بشكل طبيعي، ويعتبر أنّ قضيته في الدنيا هي أن يطيع الله سبحانه، وليست قضيّته أن يحصل على مال ليحقّق ربحاً أو يعوِّض خسارة. فلو نقصت دنياكم وخسرتم بعض الأشياء مما يتطلبه الناس في الدنيا، ولو فقدتم بعض الفرص أو بعض الشهوات، فلا تسقطوا أمام ذلك، لأنّ الدنيا ليست دار الخلود، بل هي تتحرك بين ربح وخسارة، فلا يغريكما الربح ولا تسقطكما الخسارة، لأنّ {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص: 60]. المبدأ الثاني: قول الحق:

قال (ع): "وَقُولا بِالْحَقِّ".

على المسلم أن يحمل هذا المبدأ؛ أن يتحدث بالحق والصدق، وأن يلتزم أيضاً بالحق والصدق، فلا يقول الكذب ولا يلتزم الباطل في كل موقع من مواقع حياته.

هكذا كانت سيرة علي بن أبي طالب (ع)، حتى قال: "ما ترك لي الحق من صديق". فقد كانت قولة الحق في كل القضايا هي شعاره في كل مجالات حياته.

وقد ورد عن النبي (ص) في تأكيده علاقة علي بالحق وعلاقة الحقّ بعلي أنّه قال: "علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيثما دار".

فإذا كنّا نريد أن نكون شيعة علي (ع) وأتباعه، فعلينا أن نعمل على أساس أن نبحث عن الحق أينما هو، سواء في حياتنا الخاصة، في داخل بيوتنا، أو في حياتنا العامة في كل مجتمعاتنا، وأن لا نصدر حكماً في أي جانب، ولا نتبنى موقفاً في أي جانب، إلا إذا عرفنا أنّه الحق.

يجب أن لا تكون العداوة والصداقة هي الأساس في تأييدنا للمواقف، بل أن يكون الحق هو الأساس في ذلك، فإذا قال عدونا الحق وكان الحق معه، فعلينا أن نقول الحق معه، وإذا كان صديقنا مع الباطل والكذب، فعلينا أن نواجهه لنكون ضدّه في هذا المجال.

تلك وصية علي بن أبي طالب (ع)، لأننا إذا خسرنا شيئاً على أساس الحقّ فإننا سنربحه في مجال آخر.

قد يرى بعض النّاس أنّ الحق يعرّضهم للخسارة، ولكن الواقع أنّ الحقّ يكسبهم الربح في الدنيا وفي الآخرة.

المبدأ الثالث: العمل طريق أجر الله:

قال (ع): "وَاعْمَلا لِلأَجْرِ".

في كل عمل من أعمال الإنسان يجب أن يفكر هل هناك أجر من الله على هذا العمل، أو ليس هناك أجر. إنّ الله يريد للإنسان المسلم دائماً، في كل موقع من مواقع حياته، أن يفكر برضا الله سبحانه وتعالى، وأن يفكر بثواب الله، فالله لا يريد للإنسان أن يقوم بأي عمل على أساس العبث، أو على أساس المزاج.

إنّ الإنسان عندما يعمل في أي موقع من مواقع العمل، ليجلب الرزق لعياله، فإنّه إذا أتى بالعمل قربةً إلى الله، وسار على أساسه في طريق الله، فإنّ الله سيجعل عمله في سبيل عياله عبادة.

وعندما يزور الإنسان مؤمناً من رفقائه، أو من أقاربه، فإذا قصد وجه الله، في زيارته له وإدخال السرور عليه، فإنّ ذلك يعتبر عبادة تقرّبه إلى الله سبحانه وتعالى.

المبدأ الرابع: نصرة المظلوم:

قال (ع): "وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً".

هذا المبدأ يشمل الجانب الاجتماعي في علاقات الناس بعضهم ببعض، أو الجانب السياسي في علاقة الحاكم بالمحكومين، والمحكومين بالحاكم، وعلاقة الناس بعضهم ببعض.. وهو أن يكون الأساس في معاونة الإنسان شخصاً على شيء، أو في الوقوف ضد شخص، هو أن يكون الشخص الذي تعاونه مظلوماً، وأن يكون الشخص الذي تقف ضده ظالماً.

ولهذا لا بدّ للإنسان دائماً من أن يحدد في مستوى الحياة الاجتماعية، من هو الظالم ومن هو المظلوم، وذلك بالتدقيق في ما يعمله هذا ويعمله ذاك، وفي ما يقوله هذا ويقوله ذلك، لا أن يكون تحديدنا للظالم والمظلوم منطلقاً من الإشاعات، أو من الكلمات غير الموثوقة، أو من القضايا التي تحمل أكثر من وجه، بل أن نحدد الظالم من موقع اليقين، ومن موقع الثقة، ومن موقع الاطمئنان، حتى نواجهه على أساس متين، لا على أساس منهار.

وهكذا عندما نريد أن نحدد المظلوم، أن لا يكون تحديدنا للظالمين والمظلومين ناشئاً من هوى النفس، أو ناشئاً من العاطفة، أو ناشئاً من الصداقة أو القرابة أو المزاج. فبعض الناس يتحرك على أساس أن أقاربه هم دائماً المظلومون على طول الخط، ويعتبر أنّ البعيدين عنه ظالمون على طول الخط..

لا بد لنا من أن نحدد مسألة المظلومية والظالمية من غير جهة العداوة والصداقة، ومن غير جهة القرابة والبعد، ومن غير جهة التحزب.

المبدأ الخامس: تنظيم الأمور:

 يقول (ع): "أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ". عندما نستمع إلى وصية الإمام علي (ع) في آخر أيامه، فنحن معنيّون بهذه الوصية، لأنّ الإمام يقول كل من سمع هذا الكتاب فأنا أوصيه بهذه الوصيّة، وعليه أن يتحمّل مسؤوليته في تطبيق هذه الوصيّة، على واقعه وواقع النّاس من حوله.

تقوى الله هي الأساس، لأنّ تقوى الله هي مراقبة الله، وكلما راقبنا الله أكثر كلما ضبطنا مواقع خطواتنا في الحياة أكثر. يقول الإمام (ع): "أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم".

إنّ الإمام (ع) يخاطب النّاس: حاولوا أن تنظّموا أموركم وعلاقاتكم وأوضاعكم في القضايا التي تختلفون فيها، وأن تنظّموا أوضاعكم في القضايا التي تتفقون فيها، حتى تستطيعوا أن تواجهوا علاقاتكم ببعضكم البعض، من موقع التنظيم الواعي لأموركم، في كل ما تلتقون عليه، وفي كل ما تفترقون فيه.

أن لا تعيشوا الفوضى في أموركم الاجتماعية، وفي أموركم السياسية، وفي الجوانب الاقتصادية والأمنية وغير ذلك، بل أعطوا كل إنسان حقه، كونوا المجتمع المنظم الذي يعرف فيه كل إنسان موقعه ودوره، أن لا يكون مجتمعاً فوضوياً يتحرك فيه كل الناس على هواهم ووفق رغباتهم وشهواتهم، لأن ذلك يسقط القضايا الكبرى ويسقط الأمة في كل قضاياها.

وهذا هو الأساس في سلامة كل مجتمع من المجتمعات، هو أن تكون علاقته ببعضه البعض، علاقات ترتكز على أساس القواعد التي تنظّم للمجتمع دوره في حركة أفراده، ودوره في علاقات أفراده ببعضهم البعض.

وهذه هي المشكلة التي لا يزال المسلمون يعيشون فيها على مستوى كل مجتمعاتهم، فإنّهم يتحركون كأفراد، ولا يتحركون كمجتمع، بحيث إنّ كل فريق يتصور نفسه كل شيء، أو كل شخص يتصور نفسه أنّ الحياة له، وليس لأحد حق الحياة معه، وأنّ الساحة له وليست لأحد غيره.

هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى العشائر، وعلى مستوى الأحزاب، وعلى مستوى الطوائف.. الكل يريد أن يلغي وجود الطرف الآخر، وبذلك يتصرف كما لو كان الطرف الآخر ليس موجوداً.

الحديث الثالث: نحن ومبادئ الإمام علي (ع):

 هناك أشياء كثيرة تتغير بتغير الزمان، في ما يستحدثه الناس من طريقة اللباس، والأكل والشرب، والتدفئة والتبريد، وطريقة الحياة، وطبيعة العلاقات، هذه أمور تتغير.. وهذا ما يؤكده الإمام علي (ع) عندما قال: "لا تقسروا أولادكم على آدابهم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم" [شرح نهج البلاغة: ج 20 ص 267]. فليس من الضروري للأب أن يعوّد ابنه على عاداته وطريقته وعمله.

فالإنسان لديه طريقة في اللباس وفي الأكل، لأنّه عاش في زمن يحتاج إلى ما هو فيه، ولكن ولده يحتاج إلى طريقة مختلفة في الكلام والتخاطب، وفي العلاقات وفي الحياة. ليس من الضروري أن يكون الأبناء على صورة آبائهم في الأشياء المتحرّكة في الحياة..

لكن الأمر يختلف مع المبادئ، لأنّ المبادئ لا تتغيّر، فحرام الله لا يتغيّر، لأنه لم ينطلق من حالة زمنية محدودة، حتى إذا تقّدَّم الزمن انتهت تلك الحالة، وكذلك الحلال لم ينطلق من حالة زمنية محددة، حتى إذا تغيّر الزمان تغيّرت تلك الحالة.
يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: "لا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً". يجب على الإنسان أن يؤكّد حريّته كشيء يعيش في ذاته، مما لا حقّ له أن يتنازل عنه لأحد، أن يتمسّك بحريّته أمام كل النّاس، إلاّ النّاس الّذين أراد الله سبحانه وتعالى أن يتنازل الإنسان عن حريته لإرادتهم، لأنّ إرادتهم مستمدة من إرادة الله. من لا يكون حراً لا يكون شيعياً، لأنّ الحرية هي عمق خط علي (ع) في حركة الواقع السياسي، فيما هو الإنسان الحر في الحياة. وعندما يقول الإمام علي (ع): " قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ"، فهذا يعني أنّ قيمة كلّ إنسان بمقدار ما يكون صاحب فكر وعلم ووعي وثقافة. إنّ الإمام علي (ع) يريد لشيعته أن تكون الجماعة التي تتحرك في خط تصاعدي مع كل حركة التطور العلمي، ولا يريد لهم أن يكونوا الجاهلين الذين يلتقطون فتات موائد الآخرين في ما يريدون أن يأخذوه أو يتعلّموه.

قيمة الإنسان بمقدار ما يحسن، وبمقدار ما يعلم، لذلك يعتبر الشيعي العلم عنواناً له، ويعتبر العلم خطاً له في كل ما يتحرك فيه في الحياة. هذا هو المفهوم الّذي يختزنه معنى التشيّع في ما يختزنه التشيّع من معنى الإسلام.

أن يكون الإنسان شيعياً فمعناه أن يحمل في قلبه الإسلام من خلال ما عاشه علي (ع) في ما فهمه من القرآن، ومن خلال ما عاشه علي (ع) في ما فهمه من رسول الله (ص)، وأن يتحرّك معه في خط جهاده.

لهذا يجب تحديد خط التشيع، حتى لا يكون التشيع مجرد التزام بشخص ورفض لشخص، ليكون التزاماً بنهج ورفضاً لنهج، التزاماً بخطّ ورفضاً لخط. أن تكون حركة الإنسان في داخل التشيع حركة تشمل الحياة كلها، حتى لا تتجمّد الرموز في التأريخ.. أن لا تكون شيعياً يعيش في قلب التأريخ دون أن يسحب التشيّع إلى حركة الحاضر.

الحديث الرابع: الانتماء لعلي (ع) مسؤولية:

إنّ انتماءنا لعلي (ع) يفرض علينا أن نكون الصادقين، أن نكون الأمناء، وأن نكون المحقّين، الذين يتحرّكون مع أهل الحق. فعلي (ع) ليس كلمةً نهتف بها، بل هو موقف ورسالة، لا بد أن نلتزمها ونتبعها. وعلى هذا الأساس، فإذا أردنا أن نقف مع علي (ع)، فلا بدّ من أن نواجه الباطل كله، كما واجه (ع) الباطل كله.

لقد واجه علي (ع) الباطل في الكفر، فوقف ضد الكفر، وحارب كل الكافرين. وواجه علي (ع) الباطل في داخل المسلمين، فوقف ضد أهل الباطل منهم، في ما كانوا يتحركون فيه من فكر، ومن ممارسات ومناهج..

وقف علي (ع) ضد ذلك كله، فكيف يمكن أن يكون موقفنا في كل ما يثار حولنا من قضايا، وفي كل ما يتحرك عندنا من أوضاع؟ ولنستمع إلى أحد أصحابه، وهو "ضرار بن غمرة"، حيث قدم على معاوية الذي طلب منه أن يصف علياً (ع)، فامتنع، ولكن معاوية أصر عليه. فقال: إذا كان لا بد من وصفه فإنه كان والله:

 وهذه الصفات هي: 

1 - "بعيد المدى"، أي لا يعيش في أفق محدود، فلقد كان مداه في الفكر والتقوى والزهد والبطولة هو المدى البعيد الذي يمتدّ.

2 - "شديد القوى" كان يمثِّل القوّة العظيمة.

3 - "يقول فصلاً" إذا قال فقوله الفصل الذي لا نزاع بعده.

4 - "ويحكم عدلاً" إذا حكم فإنه لا يحكم إلا بالعدل، وهو الذي قال: "الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه".

5 - "يتفجّر العلم من جوانبه" إذا تحدث عن العلم فإنك تشعر أن الينابيع تتفجّر من كل جنبات ذاته، لأنه أخذ علمه من معينٍ صافٍ، وهو رسول الله (ص).

6 - "وتنطق الحكم من نواحيه" إذا تحرك وتصرَّف وأمر ونهى فإنه يضع الأشياء في مواضعها.

7 - "يستوحش من الدنيا وزهرتها" لأنه يشعر بالغربة فيها، فقلبه متعلق بلقاء الله في الآخرة.

8 - "ويأنس باللّيل ووحشته" لأن الليل هو زمن الصفاء والهدوء الذي يفرغ فيه لربه بعيداً عن كلِّ ضجيج الناس ليعبد ربه ويناجيه.

9 - "وكان غزير الدمعة" يبكي من محبة الله وخشيته.

10 - "طويل الفكرة، يقلّب كفيه ويخاطب نفسه" لأنه يجلس مع نفسه ليدرسها وينظم لها كل خطوطها، وليكتشف عمق علاقة نفسه بربه.

11 - "ويعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب" كان لا يلبس اللباس الناعم، لأنه كان يريد أن يساوي أقل المسلمين في لباسه.

12 - "كان فينا كأحدنا" وتلك هي صفة رسول الله، فقد كان مع المسلمين كأحدهم، لا يميّز نفسه عنهم لا في جلوس ولا في أيّ وضع يميّز فيه القادة أنفسهم.

13 - "يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين" إذا جاءه المتديّنون، وهذا ما أمر الله به رسوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]. 14 - "ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: "يا ربنا، يا ربنا"، ثم يقول: "يا دنيا يا دنيا غرّي غيري، ألي تعرضت أم إليّ تشوّفت، قد بنتك ثلاثاً - طلقتك ثلاثاً - لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك كبير وعيشك حقير، آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق". بعد أن انتهى ضرار من تعداد وصف أمير المؤمنين (ع) بكى معاوية، ووكفت دموعه على لحيته ما يملكها، ثم جعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال - وهو الذي حارب علياً (ع) وعطّل مسيرته -: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذُبح ولدها في حجرها، فهي لا تلقأ عبرتها ولا يسكن حزنها.

لقد كان علي (ع) الصابر الذي عاش الألم كأقسى ما يكون، وعاش نكران الجميل كأقسى ما يكون، ولكن علياً (ع) كان حبيب الله، وكان ولي الله، وهو القائل: "أَلا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، أَلا وَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ" [نهج البلاغة: كتاب 54].

هل نحفظ وصية علي (ع)، ونحن أوصياؤه، {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} وسلام الله عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.


سماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى من علماء القطيف ومدرس في الحوزة العلمية وله مؤلفات كثيرة واخرها كتابه حول النصف من شعبان

التعليقات «1»

بنت علي - القطيف [الثلاثاء 10 اكتوبر 2006 - 10:03 م]
كتابات رائعو في حق علي
شيخنا
هل يمكننا ان نشتري كتبك واين ؟

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.125 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com