موقع والفجر- الكاتب عماد العبدالله - 15/10/2006ظ… - 5:31 م | مرات القراءة: 1139


تمسي الكرامة نسبية و قابلة للتفاوض . فما لا يرضاه الفرد ممن هو أدنى منه و ينظر إليه على أنه جرح لكبريائه ,يصبح دعابة لطيفة ما ألذها عندما تصدر إهانة ممن هو أعلى منه

يبذل الفرد منا جهده ألا يصطدم بغيره حتى يقضي يومه بهدوء قدر الاستطاعة لكنها سنة الحياة ألا يرضى الإنسان بنصيبه من الحياة فيجنح إلى طلب ما في أيدي الناس و لا يُعدم أن يُلبِّس على نفسه فيوهمها أن فعلته لا أقل من الوقوع في الشبهات ليتخذها عاذراً لسقطاته كما يعبر عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام. من هنا تبدأ رحلة البحث عن فتوى تُسهل و لا تُعسر و تُصبح الوساوس و التشدد في إحراز الطهارة من أساطير الأولين عندما تتشبث النفس بالحقوق الشرعية أو حقوق الناس. التمثيل بالسارق و المسروقِ هنا ليس للحصر إنما أورده لسهولة التصور المادي و فهم  المراد. أما إذا اقتصر الأمر على العدوان باللسان دون اليد فإن حال الضحية لا يخلو من أمرين: إما أن يرد على المعتدي بالمثل فيكون مثله و أشد خسراناً لأن المعتدي لا يُبالي بنقصان درجته على سلم الكمال بينما قد يكون الضحية ممن يراعون هذه الرياضة فيتراجع بجوابه درجاتٍ عدة. و إن أمسك فليرضى من نفسه أنها طاوعته في مسيره الروحي. و لا يظن الفرد أن عقله في هذه الحالة أكبر من عقل صاحبه فقط بل إن مجرد علمه أكبر من أن يحتمله عقل الآخر. فهذه التلافيف التي تكورت عليها عظام الجمجمة بوسعها أن تحوي العالم و ما ورائها لمن أكرمهم الله لا تكبر الجمجمة و لا يصغُر العالم بينما قد تصغر مادته في عينه. أما الآخر فلا تتسعُ تلافيف دماغه لما هو أكبر من فمه.

أخبرني صاحبي أيام الصبا أن كل إنسان يظن نفسه مخلد ويكاد يُقسم أن ماله من زوال و أن نهاية الحياةِ فكرةٌ بعيدةٌ عن غالبيةِ الناسِ مع أن المُشاهد أن الإنسان يكدَح لتأمين مستقبل أسرته بعد مماته و كأن الموت قد شغل باله و أنحلت جسمه صور أهوال الآخرة. لا تستبعد أن يظن كل إنسان أنه الرب الأعلى فهذه مسألةٌ أخرى تتلاقى مع فكرة الخلود فيصبح من المُسَلَّمُ به عند الكثير أنه مركز الكون و الأفلاكُ تدور حوله فيظهر ذلك على سلوكه و تعامله مع غيره عندما تتهيأ الظروف . و قد بينت المشاهدات أن كثيراً ممن توافر له أدنى قدر من القوة سخّر هذا القدر ليتسلط على من هو أضعف منه. رأيت يوماً رجلاً يتطاول على عمالٍ تحت إدارته ثم رأيت نفس الرجل كالحمل الوديع أمام رئيسه ثم رأيت هذا الرئيس أمام مدير المنشأة كالطفل الذي يخطب ود أبيه عله يشفق عليه ببعض الحلوى ثم رأيت مدير المنشأة يرتعش أما الوزير و رأيت وزيراً يسخر من وكلاء وزارته و هم يضحكون و رأيت الوزير في مجلس الوزراء في كامل أدبه و كأنه إنسان مختلف تماماً عن صفته المعهودة. تمسي الكرامة نسبية و قابلة للتفاوض . فما لا يرضاه الفرد ممن هو أدنى منه و ينظر إليه على أنه جرح لكبريائه ,يصبح دعابة لطيفة ما ألذها عندما تصدر إهانة ممن هو أعلى منه.ليس هذا إلا مثلاً واحداً على التسلط ربما أسعفك لتُذَكِّر به صاحب منصب غره الخشب الذي يجلس عليه بأن حاله ستكون أسوأ أمام صاحب الخشب الأجود. و يتكرر التسلط فلا يقتصر على المختلفين في الدين و العقيدة و لا على المختلفين في المذهب و لا على الأشقاء المختلفين في الفكر السياسي و التيار الديني بل يحدث حتى بين أفراد الحزب الواحد. و لنعترف أنه لولا جور الإنسان لما صدرت الصحف تحمل أخبار العالم و لغابت إلى حد ما أنباء الكوارث الطبيعية التي تجد في الظلم محفزاً لها.

كلما طال عمر الفرد منا و عاصر نظريات أكثر و ناقشها و استمع لآراء الآخرين من حَسِني النية و سَيئيها , أدرك أن المتحول في حياتنا أوسع انتشاراً من الثابت و أن الأمور كلها نسبية فالإنسان قد يكون قاتلاً لعشرة أنفس لكنه أفضل نسبياً من قاتل المائة. أنت لا تملك أن تمدح شخصاً لأن زماناً سيأتي و تجد نفسك تذمه. و صاحبك الذي يعطيك من حكمه الحياتية و يعلمك قواعد العيش المتزن لا يلبث أن يناقض نفسه تاركاً لها هامشاً من الاستثناءات العديدة . بعد التأمل لا أجد حقيقة مطلقة سوى الله عز وجل. الطريف أن العقل الذي يقود لمعرفة الله جل وعلا هو نفس العقل الذي يجد في البقرة رباً و هو نفسه أيضاً الذي يجده في الطبيعة و هو نفسه الذي لا يجده في أي شيء.

 من فكرة المركزية يحلل الإنسان لنفسه ما يُحَرّم على غيره و لا يتردد في قلب المفهوم تلو المفهوم ليصبح هو المعيار و يتحول التفكير السليم إلى خطيئة و في أحسن الأحوال جنون. من ذلك أن يرى أن كل ما تصل إليه يده فهو ملكه و إلا لما وصلت إليه اليد. و لا يعوقه أن يطوع الظروف لتخدم غرضه فلو اشتهى أكل ميتة لافترض فوراً بأنه مضطر لذلك لإيجاد العذر أو لافترض أن المأكول ليس بميتة و جادل في صفاتها. فهو مختلف و الناس بخواصهم و عوامِّهم , بمثقفيهم و بُسطائهم لا يفهمونه لأنه الأعلم.لا مانع أن يخرق السنن الكونية و القواعد المنطقية ليؤسس لقوانين ابتدعها لا تجد لها مرجعية عقلية. فتصبح هي الخط الأساس في الحياة و ما عداها استحالة.

ليست الأنا هي المقصودة في نقاشنا ففي تصوري أن المركزية مرتبة تفوق الأنا و هي التي تخول صاحبها كثيراً من الحقوق المزيفة متى ما رأى منها ما يناسبه. فمن حقه أن يتجاوز الإشارة المرورية الحمراء إذا فاتته لأنه لم يرها أو أعاقتها سيارة أخرى عنها بدل أن ينتظر دوره من جديد. هو يرى أن الإشارة المرورية الخضراء حق من حقوقه تماماً مثل استنشاق الهواء و شرب الماء و لا يحتسبها فرصة ضائعة.


كاتب مقتدر من الاحساء الحبيبة
موقع "والفجر"

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.089 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com